الرأي | الأمومة أقوى قانون وأسمى وطن


الفيلم المشهور “الأم”، بالأرمينية Mayrig، من بطولة عمر الشريف وكلوديا كاردينالي، أنتج سنة 1991، وهي قصة حياة وكفاح عائلة أرمينية نجت من الإبادة الجماعية بأعجوبة والتي تعرض لها اﻷرمن على يد الأتراك في سنة 1915 خلال فترة الخلافة العثمانية وهاجروا إلى فرنسا ليشقوا طريقهم في الحياة وبناء مستقبل ابنهم الوحيد الذي كان أمل كل تلك العائلة الهاربة.
والحقيقة، أن بعض الأفلام يوم كانت السينما في أوج مجدها قبل أن تدخل تفاهات العصر إلى ثقافتها وتحولها إلى صناعة بائسة مبنية على الإغراء والترهات والتفرج على من دب وهب، وكادت بعض الأفلام والقصص العالمية، خاصة التي حازت على جوائز، أن تدخل التاريخ وتصبح مبادئ ومفاتيح في فهم المعضلات الفكرية والاقتصادية، بل حتى السياسية، وقوبلت بنقاشات فكرية أصيلة ومحاولة لفهم الأبعاد، قام بها مفكرون وأدباء من مختلف المشارب.
وتمكنت هوليود، بفضل إمكانياتها المادية وجمال ممثلاتها وأناقة أبطالها وعمق قصصها وحرفية منتجيها ومخرجيها وأعمال نقادها.. أن تفرض ذوقا راقيا في المشاهدة والروعة في التمثيل لدرجة تناسي المشاهد بأن ما يراه هو خيال مصنوع، بل يحسبه واقعا يتأثر به مدة طويلة في حياته الأسرية والاجتماعية.
والصورة اليوم التي تجذب في التواصل الاجتماعي أكثر ما تجذب المقالات من مشاهدات، أضحت وسيلة من وسائل لفت انتباه القارئ إلى الموضوع بعدما كان الموضوع هو الذي ينادي على الصورة ويقدمها.
ورجوعا إلى فيلم “الأم” الذي يذكر بتلك الجرائم التي صورها بصورة، ومن ضمن أبشع صورها، احتجاج أحد الأطباء الأسرى عندما منع العشرات منهم المتبقين من الآلاف الذين ماتوا في الطرقات الصحراوية من شدة العطش والجوع والتعذيب والإبادة الجماعية المؤلمة، التي وقعت منذ حوالي قرن ونيف من الزمن من طرف الأتراك للأرمينيين.
وقام ذلك الطبيب بإشعار قائد الجيش بقدميه، اللتان تقطران دما من شدة المسافات والعذاب، محاولا الاحتجاج، فقال لهم رئيس الحرس التركي في مشهد رهيب: “اذهبوا به لاستبدال حذائه”، وكان فعلا منظرا تقشعر له النفس عندما حولوه إلى بهيمة، وحموا صفائح حديدية حمراء في النار وربطوا بها قدميه كما تربط حوافر الأحصنة قديما وسط صيحات ألم شديدة للممثل الذي أتقن الدور، ولم يستطع بعدها المشي إلا على أكتاف من تبقى من الهياكل البشرية التي صاحبته في طريق الموت شاهدة على قسوة الإنسان لأخيه الإنسان.. ليقيم في فرنسا كآخر من نجا من هذه الرحلة، وفي مارسيليا بالضبط، ليحكي تلك المعاناة لمن سلك سبيل الهرب ونجا من الإبادة على متن بواخر الهروب.
ويلتقي بتلك العائلة المكونة من الزوج عمر الشريف وزوجته كلوديا كاردينال وأختيها آنا وجيان والطفل الصغير آزاد زكرياء، الذي سيصبح أمل ذلك الزوج وتلك النساء الثلاثة الذين اجتمعوا كلهم من أجل توفير دراسة في “كوليج سان هيلير”، ليكون لهم ابن مهندس بعد عشرين سنة، لم يتركوا مهنة ولا وسيلة إلا وقاموا بها لضمان تعليم في المستوى يقي ابنهم الوحيد مكاره عصر لم يعترف إلا بالمال في كل شيء، ووسط حرب عالمية سلبت كل مشاعر الإنسانية من الناس وتركتهم عرضة لنهب بعضهم البعض.
ويحكي الفيلم في ظرف معين كيف نجح الابن ليلة إعلان النتائج في النهاية، وكيف تعطل الهاتف لإخبار أهله، وكيف مكث والده في محطة القطار ينتظر في ليل بارد نزوله من القطار الذي تعطل. لقد أراد الابن فعلا إخبار والديه بالتخرج، لكنه أثناء انتظار دوره في تليفون الحانة، كانت هناك إحدى السيدات الجميلات تهديه نخب النجاح، فوضع كأسه على رقم الهاتف فذاب مداد الرقم واستعصى عليه الاتصال بذويه في تلك الليلة الباردة..
وبمجرد نزوله من محطة القطار قال له والده (عمر الشريف): “لا بأس إذا لم تنجح” ظنا منه أن سبب التأخير هو رسوبه، فأجابه: “نجحت يا أبي”، وخرج كل الحي في مارسيليا يبارك للأرمينيين هذا النجاح الغالي، واختتم الفيلم بتلك الرقصة الجميلة والأم تحتضن الابن المهندس وتكمل معه الرقصة في الشارع أمام أنظار كل من في الحي.
لقد آمن الطفل آزاد زكرياء الصغير الذي أصبح رجلا بتضحيات ثلاث أمهات في الفيلم، بأن الأمومة أوطان صغيرة؛ ففي كل أم وطن نسكنه، نحبه، نفتخر به ونشتاق إليه، ونتمنى رضاه وبسمته وحنانه.
فلا شيء يمكنه أن يمنحنا الحب والعاطفة أكثر من قلب أم ذابت شمعتها لأجلنا، ومكثت غير بعيد في صمت تشتاق إلينا وتحملنا في دمها، تعلمنا وتريد منا أن نكون أحسن من في هذه الأرض، فقوة الأمومة كما صورها الفيلم أقوى قانون خلقته البشرية.
لقد رقصت كلوديا وهي تحتضن ابنها وهو يحتضنها مجسدا قولة فيكتور هوغو:
“أحضان الأم مصنوعة من الحنان والأطفال ينامون بسلام فيها”.
ومن منا من لم ينم بسلام في حضن أمه ؟



