الرأي | مغرب ما بعد 31 أكتوبر


أجد نفسي أمام قوة وبلاغة مقولة نسبت للرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن: “يمكنك خداع كل الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، ولكن لا يمكنك خداع كل الناس كل الوقت”.
هذا بالضبط ما يحصل مع كل من اتخذ من الإساءة للمغرب ولرموزه السيادية أو لرجالات أجهزته الأمنية، مصدرا للعملة الصعبة أو مقابل لمنافع ومكاسب سخية من “صرافين” أصيبوا بعقدة المغرب وصورته في الخارج..
إذ عمد مهندسو العداء للمغرب إلى: أولا تحديد عناصر قوة الدولة المغربية، خاصة المؤسسة الملكية وإمارة المؤمنين وأجهزة الأمن السيادية، وثانيا، تنظيم حملات إساءة بالوكالة، باستعارة خدمات تجار المواقف وأقلام للإيجار، ومنظمات حقوقية وسياسيين من الصف الخامس أو صحافيين أجانب غاب عنهم بريق الأضواء والشهرة..
لقد تم توجيه رصاص أقـلامهم لزعزعة ثقة الشعب في المؤسسة الملكية وإمارة المؤمنين القائمة على البيعة الشرعية المتبادلة بين القصر والشعب، ولم يفلحوا في ذلك، كما لم يفلحوا في حملات “الوحل الإعلامي” ضد رجالات الأمن السيادي المغربي، ولم ينجحوا في حملات التشهير والتهديد بالمتابعات القضائية خارج الحدود المغربية.
لم تعد سرا تلك المؤامرات في ممرات مقرات المنظمات الحقوقية والإعلامية، والعلاقات المشبوهة مع بعض تيارات اليسار الراديكالي، سواء في جنيف أو بروكسيل أو ستراسبورغ أو مدريد أو باريس.. كما لم تعد سرا مصادر حقائب العملات الصعبة وتوزيعها بسخاء في الأماكن المظلمة على متعهدي حفلات تتنكر للحق التاريخي والجغرافي المغربي على كل صحرائه.
نحن هنا لسنا بصدد إنتاج أحداث غير حقيقية، بل لنكشف وقائع وأحداث تشهير وابتزاز وتلطيخ صورة المغرب في الخارج، أبطالها معروفون بالاسم والصوت والصورة، نحن هنا لنقول لهم: كنا طيلة كل هذه السنوات في جهة الحق والحقيقة وشرف الانتماء.. مقابل جهة المكر والتشكيك.
والنتيجة هي أنهم في نهايات كل المحطات التاريخية كانوا يعودون بخفي حنين، فهم لم يستطيعوا خداع كل الناس لكل الوقت.
الملك محمد السادس في خطابه ليوم 31 أكتوبر 2025، كتب الصفحة الأولى لتاريخ مغرب جديد ومهره بإعلان “عيد الوحدة”، عندها خرج المغاربة داخل الوطن ومغاربة العالم، إلى الشوارع للاحتفال الجماعي بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، القاضي باعتماد مقترح الحكم الذاتي كإطار وحيد لحل ملف الصحراء في ظل السيادة المغربية، وكانت في ذلك الخطاب وذلك الاحتفال الجماعي، كل عناصر الوحدة والالتحام والإجماع الوطني حول مؤسسات الملكية وإمارة المؤمنين وأجهزة الأمن المغربي وحول حدوده الحقة.
فكل العناصر كانت تشير إلى انتصار المقاربة الواقعية في ملف الصحراء المغربية رغم محاولات الشيطنة والتشكيك وخلق عراقيل أمام مبادرة الحكم الذاتي، حيث كان الهدف هو إضعاف المركز المغربي، لذلك حاولوا اللعب بكل الأوراق، كورقة حقوق الإنسان، وموضوع الحريات، وإقحام اسم المغرب في ملفات غير معني بها، كوثائق بنما و”بيغاسوس” و”قطر غيث”، وأكثر من هذا، لعبوا ورقة القضاء بخصوص الاتفاق الفلاحي والصيد البحري مع أوروبا، كان آخرها قرار محكمة العدل الأوروبية يوم 4 أكتوبر 2024، وهو القرار الذي تم الرد عليه وتفكيكه على المستوى القانوني، وأنه كان مجرد لعبة في الوقت الميت من طرف لجنة كانت على باب التقاعد المهني، وأنه قرار سياسي أكثر منه حقوقي أو قانوني.
وشاءت الأقدار أن وقع المغرب مع الاتحاد الأوروبي الاتفاق الجديد يوم 3 أكتوبر 2025، وهو الاتفاق الذي يرسخ سيادة المغرب على أقاليمه الصحراوية، فأعادوا محاولة خلط الأرواق أمام البرلمان الأوروبي بستراسبوغ، لكن التصويت ليوم 26 نونبر، كان لصالح بنود الاتفاق ومع ترسيخ سيادة المغرب على أقاليمه الجنوبية.
وليس هذا فحسب، فالمغرب وقع اتفاقات مماثلة مع روسيا والهند وبريطانيا والصين.. كما شهدت مدينة الداخلة تنظيم المنتدى الاقتصادي الفرنسي/المغربي يوم 9 أكتوبر 2025 بمشاركة قوية لفاعلين اقتصاديين، فرنسيين ومغاربة، لفتح آفاق جديدة للاستثمار في الأقاليم الجنوبية.
إذن، كل هذه الأحداث والمحطات تجسد مقولة المغرب في صحرائه والصحراء في مغربها..
المكسب الآخر، القوي بدلالاته والغني بمعانيه ورسائله، يتعلق باستقبال مدينة مراكش لأشغال الدورة 93 للجمعية العامة للمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (أنتربول) من 24 إلى 27 نونبر، بحضور دولي وازن بين رؤساء شرطة ووزراء وممثلي دول.. وأعتقد أن عقد اجتماعات “الأنتربول” بمراكش ليس بالحدث العادي، بل هو أكثر من محطة قوية لـ”الأنتربول” بالمغرب، الذي قطع أشواطا كبيرة في مجال محاربة الجريمة العابرة للقارات والإرهاب، وهو بهذا راكم تجربة مهمة ورأسمالا قويا مكنه من الإسهام بقوة في تعزيز السلم ومحاربة الجريمة، لذلك، يأتي هذا التنظيم كشهادة اعتراف دولية بقوة أجهزة الأمن المغربي، التي أصبحت رقما صعبا في معادلات الأمن العالمي، في سياقات جيو-استراتيجية معقدة تتسم بتطور رهيب في الجريمة وارتفاع معدلات الجرائم واعتماد الجناة على وسائل التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي..
فعندما توشح “الأنتربول” عبد اللطيف الحموشي، المدير العام للأمن الوطني وللمراقبة الترابية، بأرفع وسام تقديرا لمجهوداته في محاربة الجريمة العابرة للقارات ومكافحة الإرهاب وتعزيز التعاون الأمني الدولي، فإنها تطلق بذلك رصاصة الرحمة على كل مهندسي حملات التشهير التي تعرض لها المسؤول الأمني الكبير.
المغرب الجديد الذي أعلن عنه ملك البلاد في خطاب 31 أكتوبر 2025، هو مغرب الثقة في مؤسساته الدستورية وأجهزته الأمنية السيادية، وهو مغرب الوحدة الترابية والوطنية.



