الرأي

الرأي | من طرائف القضاة والمحامين 

بقلم: نور الدين الرياحي

روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((روحوا القلوب ساعة بعد ساعة فإن القلوب إذا كلّت عميت))، وعن علي بن أبي طالب: ((أجموا هذه القلوب))، أي أريحوها من تعبها، وقد روي عن الرسول الكريم أنه كان يضحك حتى تبدو نواجده، وقال هشام بن عبد الملك: ((لقد أكلت الحلو والحامض حتى ما أجد لواحد منهما طعما، وشممت الطيب حتى ما أجد له رائحة، وأتيت النساء حتى ما أبالي امرأة، أتيت أمرا حائطا فما وجدت شيئا ألذ إليّ من جليس تسقط بيني وبينه مؤونة التحفظ)).

والحقيقة أن مجالس المحاكم والرسميات يغلب عليها هذا الواجب الذي كله شكليات تجعل بعض القضاة والمحامين تخرج أحيانا من أفواههم بعض الطرائف تجعل القاعات تضج ببعض القهقهات والضحك، فينقلب ذلك الجو الساخن بالمشادات وتفسير القوانين والعصبية، إلى جو يرجع بطبيعة الإنسان إلى فطرتها، فطرة حاجة هذا المخلوق إلى التنفيس عن نفسه عندما يشتد إغلاق الأبواب عليها.

ومن منا من المحامين والقضاة والمدرسين.. لم يعش في عدة مناسبات حوادث عفوية أو مقصودة لا زلنا نذكرها، وإخواننا في المشرق كتبوا عنها ووثقوها وأصبحت مرجعا في تقاليد وأعراف المهن، بل إن تواجدها أصبح ضروريا لتلين هذه النفوس الصلدة من طول الجلسات والتعب والعيش ساعات متعددة مع مآسي الإجرام والمخاصمات القضائية، التي يصبح القضاة والمحامون في حاجة إلى خبراء من أجل فهم وتقريب صورة الحقيقة التي يتفنن أصحاب المصالح في تغطيتها، فتتطلب جهدا نفسيا كبيرا وحرق أعصاب في فهمها.

تتمة المقال تحت الإعلان

فكم أصبحت مجالسنا محتاجة إلى شخصيات مثل نعيمان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليخففوا عنا بمزاحاتهم المشهورة المضحكة، وكان يسميها الرسول الكريم هنات نعيمان، كتلك الجرة من العسل التي أهداها للرسول وأتى بصاحبها ينتظر الثمن وبمجرد ما سمع صلى الله عليه وسلم مطالبة صاحبها بثمنها، سأل نعيمان فأجابه: كنت فقط أريد برك ولم يكن معي شيء، فأدى الرسول الكريم الثمن مبتسما.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويحكى عن الراحل إميل جرجس لحود، الوزير والنائب والمحامي اللبناني الشهير، أنه في إحدى مرافعاته عن موكل متهم باغتصاب راشدة دون رضاها، طلب من موكله ألا ينطق بأي حرف وبدأ يرافع: “سيدي الرئيس؛ إني لا أطلب أي رأفة بهذا المتهم، لأن أمثاله يشكلون خطرا على الأخلاق والمجتمع”، وكانت الضحية المزعومة تنصت وكأن محامي خصمها أصبح مؤيدا لها، لكنه صاح في الأخير: “ومع ذلك سيدي الرئيس، أرى نفسي مضطرا لتبرئة ذمتي مع هذا الموكل المجرم الخطير عن الضرر الذي ألحقته هذه الضحية عندما مزقت بحذائها الحاد وهي تتعارك معه ساعة اغتصابها دفاعا عن شرفها، لحافه غالي الثمن، لكن الفتاة صرخت: كذب سيدي الرئيس، أنا لم أكن نائمة بحذائي فوق اللحاف حتى يطالبني بهذا التعويض”. هنا اتجه إميل لحود المحامي الشاطر إلى رئيس المحكمة، وقال: “سجل سيدي الرئيس أن الضحية تعترف بأنها خلعت حذاءها عن طيب خاطرها وهي الراشدة قبل الصعود إلى سرير المتهم وتدعي أنه تم اغتصابها”. وربح إميل دعواه.

وكم من قضايا مثل هذه الطرائف تمر بمحاكمنا، وليت القضاة والمحامين يوثقونها، وأذكر مرة أن المرحوم الأستاذ محمد التبر، وكان طرفا مدنيا في إحدى القضايا وكان خصمه المرحوم الأستاذ عفريت بناني، مؤازرا لمتهم، وكان من ذكاء ودهاء الأستاذ التبر أن خاطب المحكمة: سيدي الرئيس؛ إن محامي المتهم الذي يطالب بحضور الطرف المدني شخصيا أذكّره بأنه إذا حضر الماء يرفع التيمم، اللهم إذا كان الخصم على غير وضوء، فأنصحه بالتيمم على حجرة أخرى أو نمده بماء من عندنا ليتوضأ به …

وكادت تمر جملة ذ. التبر دون أي إثارة لولا ثائرة ذ. بناني: سيدي الرئيس؛ كيف يحق للطرف المدني أن يشبه نفسه بالماء الطهور ويعتبر أننا على نجاسة تستدعي التيمم والماء؟ فضحك جميع من كان في القاعة، والتفت إلي ذ. التبر هامسا باسما وكنت في كرسي النيابة العامة قريبا منه: ماذا لو أيدت النيابة العامة الطرف المدني في المسألة العارضة المتعلقة بالوضوء، أليست المصلحة مشتركة؟  فأجبته إلا في الوضوء الأستاذ العزيز !

ولم يكن غرض ذ. التبر من تشبيه نفسه بماء وبأن موكله حجرة تيمم وإن حضر رفعت حاجة المحكمة إلى جواز الوضوء والتمسك بحضور موكله بقدر ما كان يريد استفزاز زميله الذي فهم مقصوده، وشرح للمحكمة نوايا أضحكت جمهور القاعة.

لكن ما كان يشفي القلب هو عند خروج المحاميين الشهيرين من المحكمة متعانقين مبتسمين، كل واحد يتحسس الصلعة الصغيرة للآخر: دعني أتيمم عليها زميلي العزيز لأتوضأ، ليجيبه الآخر بأنها ليست ملساء كصلعته، كناية على كبر السن.

فلو سجلت الطرائف الواقعة في المحاكم.. لكانت كتابا جديرا بالقراءة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى