الرأي | محطات تاريخية لتحولات المجال السياسي بالمغرب


عرف المغرب العديد من التحولات العميقة والجوهرية مست العديد من المجالات في مساره التاريخي العميق الممتد في الزمان عامة وبشكل خاص في العقود الأخيرة، سواء في المجال الاجتماعي أو الحقل الثقافي القيمي، أو المجال السياسي أو الاقتصادي؛ كل هذه المجالات عرفت تغيرات حقيقية بشكل متفاوت كل حسب السياق التاريخي المؤثر فيه، والذي يؤطره، منها ما أثر إيجابا على المجتمع، ومنها ما كان أثره ضعيفا، وإذا كانت هذه التحولات أمر قائم لا نقاش فيها، في نظر الكثير من الباحثين والدارسين، إلا أن هناك من يعتبرها غير جذرية بالمعنى العميق للكلمة، خاصة في المجال السياسي، لأنها لا تمس عمق مضامين وأسس ومكونات البنية الاجتماعية المتنفذة، ولم تمس أيضا بعض الأسس والمقومات العميقة لبنياتها ومؤسساتها وأطرها الاجتماعية والثقافية والسياسية، ما يعني أن المسألة ما هي إلا إنتاج أو إعادة إنتاج بنيات وقيم وممارسات وآليات اشتغال، كانت هي السائدة من قبل، والتي في بعض الأحيان فقدت مصداقيتها وأدوارها الفعالة، وأصبحت مشوهة ومهتزة، خاصة حينما أريد لها التكيف عنوة مع الحداثة الغربية التي تتشبث الدولة المغربية باستلهامها كمرجعية كونية، تطمح إلى اعتمادها مرجعية ذاتية مستقلة فاعلة ومتفاعلة مع معطيات سياق لحظتها الحضارية، ماضيا وحاضرا وتوجهات مستقبلية، فسواء اتفقنا مع هذا الطرح أم لا، وسواء كانت هذه التحولات شكلية أو جوهرية، فيبدو من الضروري تسليط الضوء على بعضها والتي كانت تلك المجالات مسرحا لها، ويبقى الحكم إلى النهاية..
على المستوى الاجتماعي بالتحديد، يمكن استحضار الكثير من التغيرات التي عرفتها بعض المؤسسات الاجتماعية (الأسرة والمدرسة والقبيلة)، وعلى نظم القرابة والزواج، وعلى مجال التراتبات الطبقية الاجتماعية، وهي تغيرات مست أيضا منظومة العلاقات والتبادلات والأدوار والمواقع وأنماط الفاعلين الاجتماعيين، ومختلف الهيئات والأطر والمؤسسات وباقي مكونات هذا المجال الواسع، أما فيما يتعلق بالحقل القيمي/الرمزي، الذي يقصد به مكونات النسق الثقافي السائد في المجتمع بالمفهوم السوسيو-أنثروبولوجي العام للثقافة من قيم ورموز ومعارف وأعراف وعادات وتقاليد وما إلى ذلك، فهي عرفت تحولات كبيرة بفعل عوامل عديدة كالتبعية وأثارها، والعولمة ومفاعيلها، وبما يرافق ذلك ويتساوق معه ويكرسه من اختراق إعلامي يعززه يسر التدفق الهائل للمعلومات والقيم وأنماط الاستهلاك، بفعل هذه المؤثرات والعوامل، أصبح النسق الثقافي القيمي في مجتمعنا أمام تحديات وإكراهات جديدة ضاغطة وجاذبة في نفس الآن، الشيء الذي ساهم في إفراز معالم نسق ثقافي جديد مراوح في مضامينه وتوجهاته وآليات اشتغال عناصره، مراوحة حيرة وتمزق بين تقليدانية غالبا ما توسم بالأصالة والخصوصية والفرادة المتميزة، وبين معاصرة موسومة بالجدة والحداثة والكونية التي يروج لها النظام العالم الجديد، أما فيما يتعلق بالجانب السياسي، الذي وإن كان من الصعوبة بمكان الإحاطة بكل التغيرات التي حصلت فيه، خصوصا على مستوى الدولة ومرتكزاتها وامتداداتها وأجهزتها المتعددة، أو ما يوازيها من مؤسسات ونظم وأطر للفعل السوسيو-سياسي، وهنا يمكن استحضار طبيعة الدولة وشرعية الحكم ودور الفاعلين السياسيين، والنخب السياسية وأشكال التمثيلية السياسية والعمل البرلماني والحكومي، والثقافة السياسية والفكر السياسي بما ينهض عليه من قيم ومن معارف وتوجهات ومرجعيات.. ودون العودة كثيرا إلى الوراء، سنرصد بشكل مقتضب بعض التغيرات التي عرفتها هذه المكونات بعد الاستقلال مباشرة، حيث يمكن اعتبار هذه المرحلة مرحلة تشكل هذه المكونات واستكمال البناء الذي ابتدأ في عهد الاستعمار والذي كان الهدف من كل التحركات السياسية فيه، هو التحرر والحصول على الاستقلال، أما بعد ذلك، فقد انتقل الاهتمام السياسي بالقيام بتجسير الانتقال في المفاهيم والقيم والممارسات، من مرحلة النضال الوطني ضد المستعمر إلى مرحلة بناء الذات وتحديث المؤسسات وإقامة دولة الحق والقانون، والاستجابة للحاجات الاستعجالية والتنموية للمجتمع المغربي، وهكذا مع مطلع السبعينات، بدأت تظهر إلى الوجود قوى سياسية جديدة ذات مرجعية اشتراكية ثورية اعتبرت نفسها امتدادا للحركة الوطنية، في خضم تفاعلات هذا المناخ، برز في الساحة فاعل سياسي جديد هو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية، وبعض الطلائع الأولى لحركة ماركسية لينينية”، بينما بقيت قوى سياسية أخرى محافظة على مرجعيتها الوطنية والقومية والعربية والإسلامية، وفي ظل احتدام الصراع بين معارضة سياسية واجتماعية من جهة، وبين نظام الحكم من جهة القوى السياسية من جهة أخرى، لم تجد الدولة مناصا من إطلاق العنان لما سمي بـ”المسلسل الديمقراطي” منذ أواسط السبعينات، والذي كان الهدف الاستراتيجي منه هو خلق أو تجديد آليات وتدابير مرنة للاحتواء أو الإقصاء أو التحكم بدل القمع العلني، ولقد تواصل في عقد الثمانينات هذا المنطق الاحتوائي الذي نهجته الدولة، لكن وتحت تأثير تفاعلات أوضاع داخلية مأزومة وما صاحب ذلك من احتجاجات قوية أحيانا، حزبية وجماهيرية، سارعت الدولة إلى مباشرة إصلاحات عديدة كانت أولاها الإصلاحات الدستورية المتكررة، وتجديد المسار الانتخابي والديمقراطي ضمن قواعد لعب سياسية جديدة.. كلها أفضت إلى ضرورة التداول على السلطة بين الأحزاب السياسية، الشيء الذي أدى في النهاية، بعد الكثير من المشاورات والنقاشات السياسية العميقة، إلى ما اصطلح عليه بالتناوب التوافقي، ووصول الاتحاد الاشتراكي إلى السلطة في التسعينات، الأمر الذي نظر إليه وطنيا ودوليا على أنه حدث تحولي هام في التاريخ السياسي للمغرب المعاصر، وذلك لما تم إشراك أحزاب الكتلة الديمقراطية مع بعض تحالفاتها في حكم البلاد من أبعاد ودلالات، بل ومن مستتبعات أيضا، وفي حقيقة الأمر، لم تتوقف الدينامية السياسية في المغرب، وكل مرة تلوح في الأفق تحولات مهمة، منها ما تكون مدروسة من قبل في إطار توافقات بين المؤسسة الملكية والقوى السياسية بمختلف أطيافها، ومنها التي تأتي فجائية كما حدث مع ثورات الربيع العربي، الذي اعتبر حدثا مهما في تاريخ الشعوب العربية، والمغرب لم يكن بمنأى عن رياح هذا الربيع التي أوصلت الحزب الإسلامي الأول في المغرب إلى السلطة في سابقة تاريخية لم تكن في الحسبان، واعتبرت من طرف الكثيرين تجربة ديمقراطية أخرى نجح المغرب في تثبيت دعائمها، وتحولا جوهريا في مساره السياسي والتاريخي.



