الرأي | الإنسانية عندما نكون كلنا أغنياء في الخير


تعرفنا ونحن طلبة نتلمس بدايتنا في مشوار الأدب والثقافة، على مجلة “ريدرز دايجست” (Reader’s Digest)، وكان أول من أطلعنا عليها مجلة عربية عريقة هي مجلة “الهلال” المصرية، والتي كانت تنشر بتصرف عدة مواضيع ترتئيها هيئة التحرير المؤلفة من أقلام كبيرة في النشر وكانت تصدر في نسختها العربية باسم “المختار”، وهي مجلة أمريكية شهرية صدر العدد الأول منها عام 1922، ووصلت إصداراتها إلى 50 نسخة بـ 21 لغة، ولا تزال في 70 بلدا، مما يجعلها أكبر مجلة مدفوعة تداولا في العالم.
كما صدرت الإصدارات العربية منها في شهر شتنبر 1943 في مصر، وألغي ترخيصها بعد ذلك، ثم أعيد نشر الإصدار العربي باسم “المختار”، بعد أن باعها رجل الأعمال الأمريكي فريديريك بيتيرا إلى وزير الخارجية اللبناني آنذاك لوسيان دحداح سنة 1976، والذي سرعان ما اتفق مع ناشر جريدة “النهار” تحت اسم “المختار”.
ورغم الإفلاس والحماية القضائية والفترة المتبقية لها وخساراتها المادية الكبيرة، إلا أن “ريدرز دايجست” أدركت أن عليها أن تستمر أيقونة للصحافة الأمريكية.
أما جيلنا في مدينة الدار البيضاء ونحن مراهقين، فقد كنا بإمكانياتنا المادية المتواضعة، لا نقدر على الاشتراك فيها بقدر ما كنا نرابط في البحيرة عند الكتبي المشهور “با بوعزة” لشراء أعداد قديمة منها علها تخرجنا إلى العالم الثقافي الغربي والأمريكي، الذي كان يشكل لنا حلما في غياب الأنترنيت و”اليوتوب” والترف الإلكتروني الذي يصحب اليوم الأجيال المعاصرة.
وأجمل ما كان يعجبنا في هذه المجلة، تلك الوقائع والقصص البسيطة الواقعية التي كانت تكتب وكان يقصد منها نشر قيم التسامح والأخلاق النبيلة بين القراء، والاعتزاز بالفضيلة واجتناب الرذيلة وقصص الحب الجميلة وحكايات المراهقين والشباب، والتي كنا نجد فيها متنفسا لمشاعر الأدب والشعر بلغة بسيطة وسلسة.
ومن جملة ما أتذكره، تلك القصة التي تترجم قولتنا العربية “خادم القوم سيدهم”، ويحكي صاحبها الأمريكي، أنه كان مسافرا في إحدى عربات الدرجة الثالثة وجلس مصادفة بجوار شيخ متقدم في السن تبدو عليه علامات القلق والحيرة، فسأله عن الساعة، فلما أجابه أخبره بأنه مقبل على المدينة التي لا يعرفها بعدما توصل ببرقية من أجل زيارة ابنه المريض قبل أن يقضي نحبه، وبما أنه من الريف، يخاف أن يتيه في المدينة ويدركه الليل دون أن يصل إلى الغرض الذي يجعله يتكبد مشاق هذا السفر، وسكت الشيخ وكأنه أرسل رسالة إنسانية وينتظر جوابها محافظا على كرامته.
لكن المتحدث، نشب صراع عنيف في نفسه، هل ينزل معه ويقوده إلى المستشفى ويخفف عنه وقع مصيبته ويتوقف معه ويصاحبه ويأخذ تذكرة أخرى لإكمال مشواره، أم يواصل رحلته دون اعتبار لهذه الحالة الإنسانية ؟
لكن الخير فاز في نهاية هذه المعركة على المصلحة، واقترح المتحدث بأن يرافق الشيخ إلى المستشفى لزيارة ابنه ويوفر عليه الوقت ويضحي معه إلى أن يبلغ هدفه دون مشقة أو متاهة في مدينة كبيرة فقال له: “هدئ من روعك سيدي سأرافقك”، ونزلت العبارة على الشيخ بردا وسلاما.
لكن حاكي القصة اعتبر أن ما عاشه في مرافقة ذلك الشخص الأجنبي، الذي لا يعرفه وهو يطمئنه ذلك اليوم ويعزيه في مصابه وما بعثته في نفسه هذه المساعدة البسيطة من سعادة وسلام، لا زال يتذكرها طوال حياته ويحتفظ بذكر أجمل الأثر.
وخلصت المجلة في الأخير إلى نصيحة مفادها: “قبل أن تخرج من بيتك كل صباح، اعتزم أن تكون عونا للغير في كل مكان تتجه إليه، في المكتب أو المصنع أو الطريق”؛ إن ابتسامة جميلة خالصة في سيارة عامة قد تحول دون انتحار شخص يائس جالس فيها، وكلمة حلوة أو نظرة عطف وود قد تكون بمثابة شعاع ضوء ينفذ إلى نفس حزينة مظلمة فيبدد حزنها وظلمتها، وروض نفسك على التضحية والعطاء.. إننا نستطيع جميعا أن نكون أغنياء في الحب، وفي كثير من الحالات يكون حبك الذي تمنحه لشخص ما، أثمن له من جميع أموال العالم.



