الرأي

الرأي | قراءة جديدة في فتوى لاهاي.. البيعة والسيادة

بقلم: عبد الله بوصوف

 أصدرت محكمة العدل الدولية في أكتوبر 1975 فتواها بشأن الصحراء، حيث اعترفت بوجود روابط قانونية وروحية بين المغرب والأقاليم الصحراوية، لكنها لم تعتبرها سيادة كاملة بالمعنى الأوروبي، غير أن هذا التمييز بين “الرابطة الروحية” و”السيادة السياسية” يطرح إشكالا مفاهيميا عميقا، مردّه اختلاف النموذج السياسي المغربي-الإسلامي عن النموذج الغربي الحديث.

ففي المغرب، تقوم البيعة على كونها عقدا شرعيا وسياسيا بين السلطان والأمة، تتداخل فيه الأبعاد الدينية والسياسية والاجتماعية؛ فهي ليست مجرد طقس رمزي أو إعلان ولاء، بل نظاما مؤسسيا يُنتج شرعية الحاكم ويضمن استمرار وحدة الدولة، من خلالها يلتزم السلطان بحماية الأمة وإقامة العدل، في مقابل التزام الرعية بالطاعة والوفاء.. إنها صيغة متكاملة للشرعية تمتح من المرجعية الدينية والفقهية الإسلامية، وتختلف جوهريا عن فكرة allégeance في أوروبا، التي كانت علاقة تبعية سياسية أو عسكرية محدودة لا تشمل البعد الروحي أو العقد الاجتماعي الشامل.

خلال المرافعة المغربية أمام محكمة لاهاي، سعى الوفد المغربي برئاسة الدكتور إدريس السلاوي، إلى توضيح هذا البعد التاريخي-المؤسساتي للبيعة، وأبرز الأساتذة جورج فيدل ورينيه-جان دوبوي ومحمد بنونة، أن المغرب مارس سلطاته فعلا في الصحراء، عبر تعيين القضاة، وإرسال الولاة، وجمع الضرائب، وتسيير الشؤون العامة وفق النظام المخزني، وقدّم الوفد وثائق ومراسلات سلطانية تثبت أن شيوخ القبائل الصحراوية كانوا يؤدون البيعة للسلطان باعتباره أمير المؤمنين، أي الحاكم الشرعي والسياسي في آن واحد.

تتمة المقال تحت الإعلان

غير أن المحكمة، المنطلقة من مفاهيم القانون الدولي الأوروبي التي تحدد السيادة بالحدود والإدارة المباشرة، لم تستوعب الخصوصية المغربية الإسلامية التي تقوم على سيادة متعددة الأبعاد: روحية، دينية، سياسية واجتماعية، لذلك اكتفت بالاعتراف بوجود روابط روحية، دون أن تترجمها إلى سيادة ترابية. بعبارة أخرى، المحكمة قاست الواقع المغربي بمعايير غربية لم تكن تنطبق على أنظمة غير أوروبية، رغم أن المغرب، تاريخيا، مارس نوعا من السيادة المرنة المتجذرة في الثقافة الإسلامية.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالسيادة في المغرب لم تكن محصورة في مركز إداري واحد، بل كانت موزعة عبر شبكة من الولاءات المحلية والقبلية والدينية، ضمن وحدة رمزية يختزلها شخص السلطان؛ هذا الشكل من السيادة، الذي يمكن وصفه بـالسيادة متعددة الأبعاد، يختلف عن مفهوم السيادة المطلقة الذي نشأ في أوروبا بعد اتفاقية وستفاليا، حيث الدولة تحتكر العنف والحدود والإدارة، أما في المغرب، فكانت السلطة تُمارس عبر البيعة والشرعية الدينية، بما يجعلها أكثر مرونة وتكيفًا مع البنية الاجتماعية المتنوعة.

ومن هذا المنظور، فإن البيعة المغربية تجمع بين الشرعية القانونية والدينية، وتُترجم إلى ممارسة سياسية فعلية، وليست مجرد ولاء رمزي كما في allégeance الأوروبية، أما الرعايا في النظام المغربي، فليسوا مجرد sujets خاضعين للملك، بل هم أطراف في عقد متبادل قائم على الحماية والعدالة والولاء، وهنا يظهر التباين الجوهري بين تصور الدولة المغربية التي ترى في الحاكم راعيا مسؤولا أمام الله والشعب، وبين الدولة الأوروبية التي تُعرّف العلاقة في إطار قانوني صرف.

لقد حاول الوفد المغربي في لاهاي أن يُبرز هذا التميز، مؤكدا أن البيعة هي أداة شرعية لإثبات السيادة المغربية التاريخية على الصحراء، لكنها لم تلقَ الفهم الكامل في سياق قانوني دولي قائم على نموذج واحد للسيادة، ومع ذلك، فإن اعتراف المحكمة بوجود روابط روحية شكل أساسا تاريخيا ودبلوماسيا لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب لاحقا، إذ يُعد هذا المشروع امتدادا طبيعيا لعقد البيعة التاريخي، حيث يجسد استمرار نفس الفلسفة السياسية المغربية القائمة على الوحدة في إطار التنوع، والولاء للسلطة الشرعية مع توسيع نطاق المشاركة المحلية.

بهذا، يمكن القول إن فتوى لاهاي لم تنفِ السيادة المغربية، بل كشفت حدود الفهم الغربي لمفاهيم السلطة في المجتمعات الإسلامية، فالبيعة ليست مجرد موروث ديني، بل تجسيدا لعقد اجتماعي أصيل أسّس وحدة المغرب التاريخية والسياسية، وأعطى للدولة المغربية نموذجها الخاص في الجمع بين الشرعية الدينية والسياسية، بين الوحدة والتعدد، وبين الثبات والتطور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى