الرأي

الرأي | الفرحة الكبرى

بقلم: نور الدين الرياحي

عمت الفرحة الكبرى المملكة في لحظة توجه جلالة الملك إلى شعبه مباشرة بعد تصويت مجلس الأمن الدولي على قرار تاريخي يزف إليه نتائج هذا التصويت.

طبعا عادة الشعب المغربي أنهم لا ينصتون إلا لملوكهم ولا يثقون في كلام إلا عندما يصدر عنهم.

فبالرغم من صدور القرار وتناقله عبر وسائل التواصل الاجتماعي وجميع هيآت الإعلام الوطنية والعالمية، لأهميته، لم يشف غليلهم إلا بلاغ القصر الملكي الذي أخبر بأن الملك سوف يخاطبهم، فعم جو من الاستعداد جميع فئات المجتمع لسماع النبأ العظيم، وقطعت عديد من المنابر الإعلامية الوطنية والدولية نشرات أخبارها ليكون الخطاب الملكي جزء لا يتجزأ من قرار مجلس الأمن المتعلق بالنزاع المفتعل حول الصحراء طيلة 50 عاما.

تتمة المقال تحت الإعلان

نصف قرن من تضحيات العرش العلوي والمغاربة أجمعين بأرواحهم وفلذات أكبداهم وأموالهم من أجل كل حبة رمل من صحرائهم الغالية والتي لو وضعوها في ميزان وخيروا بينها وبين أي غال وثمين في الكون لاختاروها.. إنه حب الوطن.

تتمة المقال تحت الإعلان

وابتدأ جلالة الملك كعادة الملوك العلويين في اللحظات الصعبة والتاريخية، الخطاب بسورة من القرآن، وأي سورة؟ سورة الفتح، وعلم المغاربة عند ذاك أن بشائر فتح كبير سيتضمنه خطاب 31 أكتوبر، وهو يوم أصر الملك بأن ما قبله ليس كبعده، وأنه فارق وفاصل بين عهد الباطل والحق كما قال والده، وبين جهاد أصغر وأكبر وفارق بين الحزن والشكر كما قال جده قدس الله ثراهما وكأن جلالته يعيد ذلك التاريخ المجيد عندما خاطب جده المغفور له محمد الخامس، أب الأمة، يوم 16 نونبر 1955: ((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُور شَكُورٌ))، وبأن المغاربة خرجوا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وعندما افتتح والده المغفور له الحسن الثاني في 16 أكتوبر 1975 خطابه بالآية: ((وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا))، وذلك عندما أجابت محكمة العدل بأن العلاقة التي كانت تربط بين سكان الصحراء والملوك المغاربة واعترفت بأن لها الصلاحية للحكم في الملف وقالت بأن هناك مشكلا قانونيا بين المغرب وإسبانيا وسمحت بذلك بتمثيلية القاضي في شخص موني، مشيدا بهذا القاضي العدل ابن ساحل العاج وبرئيسه هوفيت بوانييه آنذاك، وأجابت المحكمة بأن الصحراء لم تكن أرضا مواتا، وخلصت بأن هناك روابط قانونية وروابط بيعة بين المملكة المغربية وسكان الصحراء، وفسر الملك الحسن الثاني قرار محكمة العدل معترفا بنشوة قانونية مفهوم هذا القرار كما جاء على لسانه، معتبرا أن هذا الحق كنا ننتظره، بل اعتبر في تفسير القرار بأنه ابتهج بمصطلح البيعة أكثر من مصطلح السيادة، لأن البيعة في المغرب كانت دائما مكتوبة ولم يكتف المغرب بالبيعة الشفوية.

وأمام هذا الإقرار، قال الملك بأنه بعد هذا الاعتراف، لم يبق إلا الدخول إلى ترابنا والالتحاق بالشعب المغربي في الصحراء معلنا القيام بمسيرة خضراء كرجل واحد بنظام وانتظام للالتحاق بإخواننا في الصحراء، وكانت المسيرة الخضراء 2025.

أبى الملك محمد السادس أن يتوج عهده الزاهر بالأوراش الكبرى وطيلة 26 سنة من العمل الدؤوب وتمهيد كل الطرق الدبلوماسية بعلاقات شخصية ووطنية في صمت ونكران ذات لم ينم له جفن ولم يستقر له قرار حتى أرسى بحكمة وبصيرة أسس الاعتراف بالسيادة المغربية وانتزعها صريحة لا لبس فيها ولا غموض ولا جدال، من جميع أمم الكرة الأرضية ودون أي معارضة من أي كان، مجلجلة في سماء الشرعية الدولية ممثلة في مجلس الأمن الدولي.

وكان القرار الأممي المسجل لسيادة المغرب على صحرائه دون أدنى معارضة، وهي إشارة واضحة إلى ما تكنه الأمم العظمى وسائر دول العالم لشخص الملك محمد السادس من تقدير واحترام واعترافا له على قيادة السفينة التي يحبها العالم بأسره إلى بر الأمان والسلم على يده بعدما اطلعوا على حسن طويته وتعلق شعبه الوفي بشخصه وحرصه على السلام والطمأنينة لسائر الشعوب ومده جسور التعايش بين كافة الأجناس.

وكان ذلك القرار، وكانت الفرحة الكبرى التي خرج فيها الشعب عن بكرة أبيه من طنجة إلى لكويرة هاتفا بحياة ملكه وسيادة بلده على صحرائه، شبيهة بخطاب عودة أب الأمة إلى مملكته وفرحة مبدع المسيرة لما أعلن انطلاقتها، متشبعا بمآثر جده المصطفى صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الأنبياء والمرسلين فهو أمير المؤمنين، وبما وقع يَوْمَ فَتْحِ الْبَيْتَ، لما صَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ، وَقَدْ لُبِطَ بِالنَّاسِ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيِ الْبَابِ، فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، مَاذَا تَقُولُونَ وَمَاذَا تَظُنُّونَ؟ قَالُوا: نَقُولُ خَيْرًا وَنَظُنُّ خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ، وَقَدْ قَدَرْتَ فَأَسْجِحْ قَالَ: فَإِنِّي أَقُولُ كَمَا قَالَ أَخِي يُوسُفُ: ((لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)).

فكانت الفرحة الكبرى شبيهة بفرحة الشاعر محمد الطنجاوي عندما كتب قصيدة غناها محمد عبد الوهاب: ((الله أكبر والفرحة الكبرى بساتين وعنبر؛ في كل بيت، كل حصن، كل منبر؛ قنديل أفراح ولون الثوب أخضر؛ والحب والأفراح والأطباق سكر؛ والفارس المغوار تحت حزامه الخنجر؛ عرش وشعب.. وأي حب لا يقدر)).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى