الرأي | من يسيطر فعلا على الإنعاش في المغرب ؟

بقلم : منير لكماني
منذ سنة 2015، ومع صدور القانون 131-13 الذي فتح رأسمال العيادات الخاصة أمام المستثمرين الماليين، تغير وجه الطب الخاص في المغرب جذريا؛ فبعد أن كان عدد المصحات الخاصة قبل التسعينات لا يتجاوز 100، أصبح اليوم أكثر من 400 مصحة تمثل أزيد من ثلث الطاقة الاستشفائية الوطنية (حوالي 15.000 سرير)، معظمها متركز في الدار البيضاء، الرباط، مراكش وطنجة.
التوسع لم يكن فقط في الجراحة والولادة، بل خصوصا في وحدات الإنعاش الطبي والجراحي، باعتبارها الأقسام الأكثر ربحية، فدخول مجموعات استثمارية منظمة وممولة عبر البورصة غير قواعد اللعبة، إذ أصبحت وحدات الإنعاش تُدار بعقلية توسعية هدفها مضاعفة رقم المعاملات، وإحدى هذه المجموعات أعلنت عن هدف بلوغ 2.2 مليار درهم سنة 2023 بعد نمو يفوق 500 % في أربع سنوات، مع توسع إلى أكثر من عشرين مؤسسة ما بين 2017 و2024.
وبذلك أصبح الإنعاش خط إنتاج مالي وليس فقط خدمة طبية، لكن هذا النمو غير عادل جغرافيا، إذ تشير معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن 80 % من المصحات الخاصة متركزة على محور البيضاء-الرباط، فيما أربع جهات لا تتوفر على أي مصحة خاصة، والنتيجة: المريض القروي مضطر للسفر أو القبول بخدمة عمومية محدودة التجهيز، مما يخلق “طب إنعاش بطبقتين: إنعاش خاص متطور وغالي، وإنعاش عمومي ضعيف في باقي المناطق”.
كلفة سرير الإنعاش الخاص.. منطق الفوترة وعبء الجيوب
تتراوح التسعيرة الرسمية اليومية لوحدة الإنعاش، بين 1000 و1500 درهم، وفق وثائق الوكالة الوطنية للتأمين الصحي (ANAM)، وتشمل السرير والخدمات الأساسية، لكن هذه الأرقام تبقى نظرية ولا تُعكس في الفواتير الواقعية.
خلال جائحة “كوفيد 19″، ظهرت شكايات كثيرة من أسر مغربية تحدثت عن ابتزاز مالي عند إدخال أقاربهم إلى الإنعاش الخاص، فبعض المصحات طالبت بـ”عربون” أو شيك ضمان يصل إلى 40000 درهم فقط للقبول، ثم احتسبت الليلة الواحدة بـ 5000 إلى 8000 درهم، أي عشرة أضعاف التسعيرة الرسمية. وفواتير نهائية وصلت إلى 200000 درهم في حالات انتهت بالوفاة.
تحليلات اقتصادية مغربية قدرت الكلفة اليومية الفعلية كما يلي:
- الأدوية: 1.700 درهم يوميا (وقد تتضاعف في الحالات الخطيرة)؛
- المستلزمات والتمريض: بين 1300 و2400 درهم.
- الإقامة والعناية المكثفة: حوالي 1500 درهم.
الكلفة الإجمالية اليومية تتراوح إذن، بين 5000 و8000 درهم. إقامة من ستة أيام مثلا، قد تعني فاتورة في حدود 48000 درهم قبل إضافة هامش الربح.
وقد نبه مجلس المنافسة سنة 2022، إلى ممارسات غير قانونية في بعض المصحات، منها:
1) فرض شيكات ضمان أو دفعات كبيرة مسبقة؛
2) علاقات عمولة تصل إلى 20 % مع وسطاء لجلب المرضى؛
3) الإبقاء على المرضى في الإنعاش دون مبرر طبي فقط لضمان امتلاء الأسرّة المربحة.
كل ذلك جعل الإنعاش بقرة حلوب ماليا، حيث الأسرة في حالة ضعف والمريض لا يملك خيارا آخر، وفي غياب رقابة فعالة، تحولت غرف الإنعاش إلى آلة فوترة تستنزف جيوب المواطنين، حتى المؤمنين منهم، بسبب غياب تسقيف موحد للتعريفات الطبية.
الوفيات في غرف الإنعاش.. ما نعرفه وما لا نعرفه
المعضلة الكبرى أن المغرب يفتقر لقاعدة بيانات علنية وشفافة حول معدلات الوفيات داخل الإنعاش الخاص، فالمصحات تعتبر هذه الأرقام “معطيات تجارية حساسة”، والسلطات لا تُلزمها بنشر مؤشرات السلامة والجودة مثل معدل الوفيات المعدّل على خطورة الحالة أو معدل العدوى.
في المقابل، تقدّم الدراسات الجامعية العمومية لمحة تقريبية:
- دراسة مغربية سجّلت معدل وفيات يقارب 25.8 % في الإنعاش الطبي؛
- دراسة أخرى حول المسنين أظهرت وفيات في حدود 40 %؛
- أطباء الإنعاش أكدوا أن نقص الأسرة والاكتظاظ يرفع الوفيات؛
- أثناء جائحة “كوفيد”، بلغ عدد المرضى في الإنعاش أكثر من 700 مريض يوميا، في وقت لم يتجاوز فيه عدد الأسرة العمومية بضع مئات.
وهو ما يعني أن المغرب يقع في نطاق وفيات مرتفعة (25 % إلى 40 %)، وهي نسب عالميا تعد عالية الخطورة، لكن غياب معطيات القطاع الخاص يمنع أي مقارنة حول جودة العلاج.
وما يزيد الشكوك، أن مجلس المنافسة كشف عن إبقاء مرضى في الإنعاش رغم استقرار حالتهم، مما قد يرفع خطر العدوى ويمنع وصول حالات أخطر إلى سرير متاح.
القراءة القانونية والحقوقية
القانون المغربي ينص على وجود تعريفة وطنية مرجعية (TNR)، وآليات مراقبة من وزارة الصحة ومجلس المنافسة وهيئة الأطباء، لكن التطبيق محدود؛ فلا توجد عقوبات واضحة ضد فرض الشيكات المسبقة، ولا إلزام بنشر مؤشرات الجودة والوفيات، كما لا يوجد تسقيف فعلي للأسعار، وبالتالي تظل غرف الإنعاش الخاصة مجالا رمادياً: تجهيزات متقدمة، لكن في غياب شفافية وقيود قانونية صارمة.
ماذا تقول لنا كل هذه الأدلة ؟
1) الإنعاش الخاص هو قلب الربحية في القطاع الصحي، تُدار وحداته بمنطق استثماري بحت؛
2) الفواتير انفجرت: ما بين 5000 و8000 درهم لليلة، وشيكات دخول تصل إلى 40000 درهم، وفواتير نهائية تناهز 200000 درهم؛
3) غياب الشفافية: لا بيانات حول نسب الوفيات أو جودة النتائج لتبرير الأسعار المرتفعة؛
4) ممارسات تجارية عدوانية تشمل العمولات، واستبقاء المرضى في الإنعاش، وابتزاز الأسر؛
5) نتيجة ذلك: “طب إنعاش بطبقتين”، فمن يملك المال يحصل على رعاية متقدمة، ومن لا يملك ينتظر أو يُحرم من سرير.
المعطيات المتوفرة تؤكد أن غرف الإنعاش الخاصة في المغرب تحولت إلى مراكز استنزاف مالي، فالليلة قد تكلف أضعاف السعر الرسمي، والقبول قد يُشترط بعربون أو شيك ضمان، في حين تغيب مؤشرات الجودة التي تبرر هذه الكلفة.
إن غياب الحوكمة والشفافية يجعل من الإنعاش الخاص قضية عدالة اجتماعية وحقا إنسانيا أكثر من كونها مجرد مسألة طبية، فالحق في البقاء على قيد الحياة لا يجب أن يكون رهينة شيك على بياض.



