الرأي

الرأي | من منطق التوافق والإجماع إلى تحكيم مسطرة الأقلية والأغلبية

بنعيسى Benisa
بقلم: بنعيسى يوسفي

من بين المفردات التي تسربت إلى الحقل السياسي المغربي وأصبحت قاعدة ثابتة وسلوكا واقعا يتم الاحتكام إليه في العديد من المناسبات والاستحقاقات السياسية، وتجد من يدافع عنها دفاعا مستميتا، هي مفردتا التوافق والإجماع، هذا في الوقت الذي يجب أن تبقيا مسطرة استثنائية قد يتم الاحتكام إليها في ظروف خاصة أو استثنائية، لكن للأسف في المنظومة السياسية المغربية تعطى لها الأولوية على حساب المساطر الأخرى التي تعرفها أو تمارسها كل الديمقراطيات العالمية المعروفة، وهذا في الواقع أكبر معرقل لتكريس البناء الديمقراطي الذي يسعى المغرب إلى تثبيت دعائمه الحقيقية منذ مدة دون أن يحقق في ذلك نتائج كبيرة إلى اليوم، ما يعني أنه لا زال هناك الكثير من العمل يجب القيام به في هذا الخصوص.

إن المسطرة الأساسية والأكثر وضوحا في أي ممارسة ديمقراطية حقيقية، التي يجب تحكيمها فيها، والتي يجب أن تحظى بالأولوية عوض التوافق والإجماع، هي مسطرة “الأقلية” و”الأغلبية”، وهي المسطرة العادية والناجعة التي يجب العمل بها في البرلمان، فـ”الأقلية” و”الأغلبية” مبدئان أساسيان لفرز سياسي واضح، يجعل الفرد أمام صورة سياسية واضحة تساعده على التمييز بشكل واقعي وملموس بين الأحزاب التي تتموقع في الأغلبية الحاكمة، والأخرى التي تتمترس ضمن الأقلية المعارضة، والقطع نهائيا مع منطق الإجماع، لأن هذا الأخير لا ينتمي لحقل الديمقراطية، ويفسد العملية السياسية برمتها، فوحده الحقل الديني هو المحكوم بمنطق الإجماع لا غير.

قد يبدو للبعض أن في المؤسسة التشريعية المغربية هناك أغلبية وهناك أقلية، ويلمسها كثيرا في خطابات الهيئات السياسية، لكن على أي أساس انبنت هذه الأغلبية وهذه الأقلية؟ هذا هو السؤال الجوهري، فمن المؤكد أنها لم تنبن على نتائج الانتخابات، بل بنيت على أساس توافقي بين هيئات أو أحزاب سياسية بعينها، وعلى تنسيق مسبق لا تحركه بالدرجة الأولى مصالح المواطنين والمجتمع بقدر ما تحركه هواجس أخرى، خاضعة لحسابات سياسية ضيقة، وهي قطع الطريق على أحزاب معينة لعدم المشاركة في الأغلبية أو التحالف الحكومي، وحتى حينما تتكون هذه الأغلبية الهشة وغير المتماسكة، لا تجد تناغما وانسجاما بين مكوناتها، فكل حزب يغني على ليلاه، ويريد كسب نقاط على حساب حزب مشارك معه في الأغلبية، وهذا ما يجعل هذه الأغلبية في كثير من الأحيان على شفير الانهيار في أكثر من مناسبة، والسبب الرئيسي يعود بالدرجة الأولى إلى التباعد الفكري والإيديولوجي الحاصل بين مكوناتها، وثانيا عدم استيعاب مفهوم الأغلبية بالشكل السليم الذي يعني تحمل المسؤولية المشتركة، والدفاع المشترك عن الإنجازات وتقاسم أثر وتبعات الإخفاقات والفشل، وهكذا دواليك، والحديث هنا لا ينطبق على الأغلبية الحالية وحسب، بل الأمر يكاد ينسحب على الأغلبيات السابقة التي استأثرت بالسلطة على مدار العقود الفارطة، حيث لا زال التاريخ شاهدا على كيف انفرط عقد الأغلبية في عهد حكومة بن كيران، حينما انسحب حزب الاستقلال من الحكومة ضاربا ميثاق الأغلبية بعرض الحائط .

تتمة المقال تحت الإعلان

لا شك أنه حينما يتم الحديث عن التوافق، فالأمر في الحقيقة يتعلق بتوافقين: سري وعلني، وكلاهما يحملان في طياتهما عوامل التأثير السلبي ليس على المشهد السياسي وحسب، بل حتى على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالعلني هو ذلك الذي يمكن أن يحدث في البرلمان بين الهيئات المنتخبة، وهذا التوافق على علاته أقل ضررا من السري، لأنه على الأقل يتيح إمكانية أنه حينما لا تكون متفقا مع ما تووفق عليه ، فعلى الأقل يتم الرضى والقبول به، على أساس أنه من الممكن أن يحقق 40 أو 50 في المائة مما يكون الطموح إليه، أما التوافق السري، والذي يبدو أن هناك مؤسسات كثيرة تشتغل به، فمن دون شك فيه إجهاز على العديد من حقوق المواطنين، فمثلا عندما تجتمع مجموعات بنكية مبنية على الأسهم العائلية، وتتوافق فيما بينها، ويتفقون على الكيفية التي سيسيرون بها أموالهم، فهذا حقهم، ولكن حينما يتم التوافق سريا على برامج اقتصادية تمس المجتمع، فالمفروض في هذه الحالة أن يكون التوافق علنيا، وهذا ما لا يتم في المغرب – للأسف – سياسيا واقتصاديا، مما ينم عن ضعف هذه المؤسسات، وغياب الجرأة والشفافية اللازمتين لتوضيح الأمور للمواطن المعني الأول بكل تلك السلوكات والممارسات.

وكما لا يخفى، فيبقى أهم توافق سري حدث في تاريخ المغرب السياسي الحديث بدون منازع ، هو التوافق الذي أفرز حكومة التناوب مع نهاية تسعينات القرن الماضي بقيادة الراحل عبد الرحمان اليوسفي فبقدر ما اعتبره الكثير من المحللين السياسيين وبعض دارسي الأنثروبولوجيا السياسية، أنه تحول جوهري في الحركية والسيرورة السياسية المغربية، ونقطة مضيئة في مسار تصالح المؤسسة الملكية مع قوى المعارضة، وترسيخ مبدأ التناوب على السلطة بناء على ما تفرزه نتائج الاقتراع، إلا أنه في المقابل هناك نخبة من الباحثين والدارسين الذين أعابوا على ذلك التوافق سريته، مستشهدين في ذلك بكون التوافقات في الدول الديمقراطية تكون علنية، وتكون المسطرة واضحة ومحسومة لتحقيق ذلك، وبالتالي من الصعب القول في الحقل السياسي أنه ليس هناك توافقات سرية، أو أن ليس هنالك سياقات وظرفيات تفرض ذلك، إلا أن كلما يتعلق الأمر بتوافق يعني الشعب بأكمله ويمس مشاكله وقضاياه الحيوية، فيجب أن يكون التوافق علنيا، كما يتم اللجوء إلى مسطرة الديمقراطية التي تخول للشعب محاسبة المسؤولين على ما تم التوافق عليه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى