الرأي

الرأي | من الجامعة إلى “الشيخة”..

حين يُحتفل بالتفاهة على أنقاض الفكر

بقلم: ذ. الحسن العبد

      في زمن لم يكن للرداءة فيه موطئ قدم، كانت الجامعات المغربية منارات حقيقية للفكر الحر والوعي الجماعي.. ساحات كانت تموج بالأغاني الملتزمة والشعارات التي تعبر عن طموحات وطنية وإنسانية عميقة، كان الطالب آنذاك رمزا للمثقف المشتبك مع قضايا شعبه، حاملا همّ الوطن، لا هاتفا في حفل التخرج بـ”زيدي صطّي” و”عطيني العود نلعب بيه”.

اليوم، وقد صار التخرج يحتفل به على أنغام الشعبي والشيخات، لا يسعنا إلا أن نتأسف كثيرا لانحدار المعنى وسط مظاهر احتفالية سطحية تجسد انزياحا خطيرا في القيم داخل الفضاء الجامعي. لحظة كان يفترض أن تكون تتويجا لرحلة فكرية، تحولت إلى كرنفال فراغي يكرس ثقافة استهلاكية لا تسائل واقعا ولا تنتج وعيا.

وكما قال إدوارد سعيد ذات مرة: “المثقف هو من يقلق السلطة، لا من يسليها”، فأي سلطة تُقلقها هذه المشاهد؟ وأي وعي يُنتج في ظل طقوس الترفيه المبتذل داخل الحرم الجامعي ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

نحن هنا لا نعادي الفرح، بل نستنكر اختزال التخرج، وهو من المفروض أن يكون لحظة تفكر وتقدير علمي، في طقس فلكلوري بلا دلالة، سوى تكريس الرداءة، كما عبّر عبد الله العروي بمرارة: “الثقافة ليست ما يُستهلك، بل ما يُنتَج”.

تتمة المقال تحت الإعلان

لكن ما نشهده اليوم داخل كثير من مؤسسات التعليم هو استهلاك صاخب للتفاهة، مقابل إفلاس مدوي في الإنتاج الرمزي والمعرفي.

لقد تحولت الجامعة – في كثير من الأحيان – إلى فضاء للفرجة لا للفكر، للمظاهر لا للجوهر، للرقص لا للنقاش، ورحم الله زمن الأغاني التي كانت تُغنّى من أجل “فلسطين” و”الحرية” و”المساواة”، لا من أجل “الخمور” و”السهرة”.

أما علي شريعتي، فقد لخص المأساة قائلا: “المتعلم الجاهل هو أكبر كارثة في التاريخ”، وهذا ما نخشى أن نصل إليه حين تتحول الجامعة إلى مسرح للتباهي الفارغ، لا إلى مختبر للعقل والنقد والتحليل.

لسنا ضد مظاهر الفرح، بل مع فرح ناضج لا ينسى موقعه ولا يفرط في رسالته.. فهل يعقل أن يتحوّل طالب تخرج من كلية الحقوق أو الآداب أو العلوم.. إلى مجرد راقص وسط ساحة الجامعة، بدل أن يكون حامل مشروع فكري أو اجتماعي أو سياسي ؟

نعم، رحم الله زمن الأغنية الملتزمة، زمن كان فيه التخرج نهاية مرحلة فكرية حقيقية، لا افتتاح موسم التفاهة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى