الرأي | كيف كانت الحروب والخيانات والخلافات بين العرب سببا في احتلال فلسطين..


ليس ثمة قضية معاصرة من قضايا الشعوب المستعمرة والمضطهدة أشد ظلما وقساوة من قضية فلسطين، فهي ليست مجرد صراع بين الحق والباطل أو بين أكثرية مظلومة وأقلية ظالمة، بل هي صراع له خصوصية استثنائية.. فقد حملت طابع صراع ضد حركة صهيونية عالمية جاءت من شتى أنحاء العالم إلى أرض فلسطين لتطرد شعبا كاملا من أرضه وتقتل ما تبقى من هذا الشعب أمام انظار العالم الذي ظل يتفرح على هذه الجريمة الإنسانية، العصابات الصهيونية دمرت بيوت الفلسطينيين على رؤوسهم وأخرجتهم من أرضهم ليحل محلهم صهاينة غرباء على الأرض الفلسطينية يقتلون دون رحمة ولا شفقة كل من يقول “أنا فلسطيني” تطبيقا للقاعدة التي وضعها مناحيم بيغن والتي تقول: “أنا أقتل فلسطيني إذن أنا موجود”. هذا الكلام يعبر عن النزعة العنصرية الصهيونية الإجرامية التي لا تقبل بوجود الفلسطيني على أرض فلسطين.
فمنذ المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 وإعلان تيودور هرتزل عن قبوله وتأييده لاقتراح بريطانيا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، منذ ذلك التاريخ والشعب الفلسطيني يواجه كل أنواع الإبادة والقتل والتشرد والمؤامرات والدسائس والخيانة حتى من العرب أنفسهم، ومنذ نكبة فلسطين عام 1948 وما رافقها من مجازر رهيبة في مختلف مدن وقرى فلسطين، أشهرها مذبحة “دير ياسين” في 9 أبريل 1948، قامت بها العصابات الإرهابية الصهيونية وأسفرت عن ذبح 250 فلسطينيا معظمهم من الأطفال والنساء والشيوخ، لترويع السكان الفلسطينيين وإرغامهم على الهجرة خارج بلادهم وترك بيوتهم للمستوطنين الصهاينة، وبالفعل كانت هذه حرب تطهير عرقي كان لها الأثر الكبير في هروب السكان العرب من فلسطين إلى الدول العربية المجاورة وإلى دول أوروبية، ومن الأمور الخطيرة التي حدثت في الدول العربية، الخطة الخبيثة التي رسمها جهاز المخابرات الإسرائيلي “الموساد”، الذي كان المسؤول عن الأحداث والقلاقل والاضطرابات واضطهاد اليهود المنتمين إلى كثير من الدول العربية، ومنها دول شمال إفريقيا، قصد ترهيبهم وإرغامهم على الهجرة إلى فلسطين لتكوين دولة صهيونية على أرض فلسطين ليحلوا محل المواطنين العرب أصحاب الأرض الذين تم تهجيرهم بقوة السلاح، وهذا يسمى “الهجرة المعاكسة”، كما أن “الموساد” قام بأعمال شيطانية عن طريق اضطهاد اليهود المقيمين في أوروبا وشمال إفريقيا لنفس الهدف، ولم تنتبه الدول العربية إلى هذه الخطة الصهيونية التي كان الغرض منها هو تكوين دولة صهيونية إرهابية لا تقبل بوجود الفلسطينيين على الأرض .
إن المفكرين والمثقفين والعلماء في البلاد الأوروبية، ومنهم اليهود، يعلمون أن تاريخ العرب المسلمين هو تاريخ دموي مليء بالاضطرابات والأحداث المأساوية والصراعات على الحكم وحب النساء، وجمع الثروة والمال وانتشار المجون والفساد والخلاعة واللهو والعبث وحب الذات، وكان هذا هو السبب في انحراف المسلمين في الأندلس، فاعترى وجودهم الضعف وعصفت بهم الفتن وخف الوازع الديني عندهم، فبدأوا بالتخلي عن بعض الأخلاق والتأثر بأخلاق وعادات أخرى غريبة عنهم وعلى مجتمعهم، الأمر الذي جعل شخصيتهم الإسلامية تأخذ في الاضمحلال ويسري فيها الضعف والاستسلام والتخلي عن الجهاد في سبيل نصرة المسلمين، وهذا ما حدث فعلا في حرب غزة، حيث ظل الحكام العرب يتفرجون على الحرب العدوانية ضد الشعب الفلسطيني رغم أن الإسلام يدعو إلى الجهاد في سبيل الله لنصرة المسلمين، بل إن الكارثة العظمى هي السماح لصواريخ إسرائيل بالعبور في أجواء دول عربية إسلامية للوصول إلى إيران لتدميرها وهي دولة إسلامية من واجب كل مسلم الوقوف إلى جانبها..
ولقد شهد التاريخ الإسلامي سلسلة طويلة من الحروب الدامية والاقتتال فيما بين المسلمين، ومعارك طاحنة لا زالت مستمرة إلى يومنا هذا، وتصفيات جسدية للمعارضين السياسيين وما يرافق ذلك من نهب لثروات الشعوب العربية والسرقة وتبذير الأموال في بناء القصور والبذخ والترف واللهو..
لقد قتل عثمان على أيدي مسلمين، وقتل علي على أيدي مسلمين، ثم قتل الحسين وقطع رأسه على يد مسلمين، وقتل الحسن مسموما مغدورا على يد مسلمين، وقتل اثنان من المبشرين بالجنة (طلحة والزبير) على أيدي مسلمين في معركة كان طرفها علي وعائشة في موقعة “الجمل”، وقتل مسلمون على يد مسلمين في معركة كان طرفها علي ومعاوية في موقعة “صفين”، قتل مسلمون على يد مسلمين في معركة كان طرفها علي وأتباعه في معركة موقعة “نهروان”، قتل مسلمون على يد مسلمين في معركة كان طرفها الحسين ويزيد وذبح فيها 73 من عائلة رسول الله بيد مسلمين في معركة إخماد ثورة أهل المدينة على حكم الأمويين غضبا لمقتل الحسين، وقتل 700 شخص من المهاجرين والأنصار على يد 12 ألفا من قوات الجيش الأموي المسلم في معركة “الحرة” التي قاد جيش الأمويين فيها مسلم بن عقبة، ولم يتجرأ اليهود أو الكفار على الإساءة للمسجد النبوي، لكن فعلها قائد جيش يزيد بن معاوية عندما حول المسجد في ثلاث ليال إلى إسطبل للحمير والخيول فتبولوا فيه، وفي خلافة هشام بن عبد الملك، لم يقتل زيد بن زين العابدين بن الحسين فحسب، بل صلبوه عاريا على باب دمشق لأربعة أيام ثم أحرقوه.. والتاريخ الإسلامي حافل بالقتل والمؤامرات فيما بين العرب المسلمين إلى يومنا هذا، فلا غرابة من استمرار هذا الوضع الذي يخالف مقاصد الإسلام ومن بينها الوحدة والجهاد في سبيل نصرة المسلمين.
وتستمر إلى يومنا هذا في الدول العربية الإسلامية الحروب والمؤامرات والدسائس، ونهب ثروات الشعوب، ونشوب نزاعات إقليمية وإغلاق الحدود فيما بين الدول العربية التي تطلق على نفسها بانها إسلامية في الوقت الذي نشاهد فيه الدول الأوروبية، التي لا علاقة لها بالإسلام، موحدة في 27 دولة في كل المجالات، وأمريكا التي لا علاقة لها بالإسلام ولا بالقران الكريم، موحدة في 50 ولاية، ولا تقوم الحكومات في هذه الدول بأي خطوة أو عمل سياسي إلا بعد استفتاء واستشارة شعوبها كما فعلت بريطانيا عندما أرادت الخروج من الاتحاد الأوروبي، في حين أن الحكام العرب لا يعيرون أي اهتمام لرأي شعوبهم.
إن تاريخ ميلاد الولايات المتحدة الأمريكية لا يتعدى 3 قرون ونصف، في حين أن تاريخ ميلاد الأمة الإسلامية فاق 14 قرنا من الزمن، وعدد المسلمين مليار و500 مليون مسلم، وعدد سكان الوطن العربي ما يقرب من 400 مليون نسمة، في حين أن عدد اليهود 8 ملايين نسمة فقط، ورغم ذلك، فهم الغلبة متحدون ومتفقون في كل شيء.
هكذا كان حكماء صهيون يخططون لمؤامرة اغتصاب فلسطين على أساس فهمهم بأن تاريخ العرب المسلمين تاريخ دموي، وهم متفرقون متقاتلون، والدليل على ذلك، ما نراه اليوم من تشتيت وتفرقة وحروب دموية بين الدول العربية، فكيف يمكن تحرير القدس والعرب على هذه الحالة المأساوية؟ فمنهم من أبرم اتفاقية التطبيع علنا ومنهم من يتعامل مع إسرائيل في الخفاء.
وقد كانت غولدا مائير (رئيسة وزراء إسرائيل بين سنة 1969 و1974) تدرك جيدا أن العرب متفرقين مشتتين لا يقدرون على فعل شيء، فقالت سنة 1967: “عندما أحرقت القدس لم أنم طوال الليل، كنت أعتقد أن العرب سينزحون إلى إسرائيل من المحيط إلى الخليج لرمينا في البحر، وفي الصباح لم يقع أي شيء، فتأكدت حينئذ أن العرب نائمون لا يستطيعون فعل شيء”، وفعلا، لا يستطيعون فعل شيء والدليل على ذلك حرب إسرائيل على غزة التي شهدت إبادة جماعية ولم تستطع أي دولة عربية رفع دعوى جنائية ضد إسرائيل أمام محكمة الجنايات الدولية وهو أضعف الإيمان، فرفعتها جنوب إفريقيا وهي دولة لا علاقة لها لا بالعروبة ولا بالإسلام، لكن حرقة قتل الأطفال والنساء والشيوخ دفعتها إلى الذهاب إلى هذه المحكمة الدولية.



