الرأي | هل هي فنادق أجنبية فوق التراب المغربي ؟


تعتبر الفنادق المغربية المصنفة، خصوصا الفاخرة منها، أربع أو خمس نجوم، مؤسسات بعيدة كل البعد عن متناول المواطن المغربي، ربما لأنها أُسست أصلا لخدمة السياح الأجانب، ولم يخطر على أصحابها والمخططين لها جعلها في متناول المغاربة، وذلك نظرا بالدرجة الأولى لأثمانها الباهظة جدا، حيث لا تقوى الفئات المتوسطة (فما بالك البسيطة) على الاستفادة منها.
إن مبيتا بـ 2000 أو 3000 درهم أو أكثر لليلة الواحدة، هو مبلغ بعيد كل البعد عن المستوى المغربي، وهي أثمنة خاصة بالأجانب بشكل عام، ولكن الأثمنة المبالغ فيها ليست هي المشكل الوحيد في نفور هذه الفنادق عن الإنسان المغربي والبيئة المغربية، وإنما هي إجراءات وطقوس أخرى مؤسفة.
الفنادق المغربية الفاخرة هي بصريح العبارة فنادق أجنبية فوق التراب المغربي.. فزيادة على غلائها الفاحش، فهي أولا لا تستعمل اللغة العربية نهائيا، أي اللغة الرسمية للبلاد، لغتها الرسمية هي الفرنسية وتأتي بعدها اللغات الأوروبية الأخرى مثل الإنجليزية والألمانية والإسبانية وغيرها.. فعند دخولها يجب على المرء أن ينسى بأنه يتكلم لغة بلاده. الكل مُفرنس وكأننا في بلاد الغال، بداية من اللافتات والإعلانات والتشوير الداخلي للفنادق والوثائق المكتوبة والمعلقة والموجودة داخل الغرف وفي مختلف مرافق الفندق.. كلها بالفرنسية، وحتى مأكولات الصباح والمساء مثل الخبز والزيتون واللحم والعدس مدونة بالفرنسية فقط وكأنه لا يوجد مقابل لها بالعربية، فكيف يعقل أن تهان لغتنا في عقر دارها، ولا يجد المرء حرفا عربيا واحدا؟ بل أقبح من ذلك، فإذا وجد المرء إعلانا أو ملصقا ما بالعربية داخل فندق فاخر، فليعلم – بكل تأكيد – أن مضمون الإعلان يحمل طابعا قدحيا خاصا بالمغاربة دون غيرهم من المقيمين، مثل عبارات “لا تلمس الأكل”، أو “ممنوع المرور فوق العشب” أو “يُمنع قطف الزهور”… إلخ. خطاب وكلمات موجهة للإنسان المغربي دون باقي زوار الفندق، ودون ترجمة إلى اللغات الأخرى، وهذه كتابات مهينة، هذا إذا لم تكن ترقى إلى عنصرية في حق المغاربة.
وليس إبعاد اللغة العربية هو العنصر الوحيد الذي يبعد الفنادق الفخمة عن بيئتنا المغربية، ولكن توجد بعض الظواهر المشينة الأخرى والضاربة بعرض التقاليد المغربية الراسخة.. مثلا بعض الفنادق الفاخرة لا تحترم خصوصيات وحميمية الإنسان المغربي، حيث يجد الزائر نفسه أحيانا في وضعية محرجة عندما لا تتوفر غرفة النوم على باب عادي يُمكن إقفاله ككل الأبواب. نعم، أحيانا تكون غرف النوم في بعض الفنادق الفاخرة مفتوحة مطلة مباشرة على باقي الغرف والفضاءات المجاورة داخل السويت suite، وكأن الرجل وزوجته مثلا سينامان هكذا، وسيفعلان ما سيفعلان أمام الملأ. صحيح، في العالم الغربي قد يقوم الناس بما يحلو لهم أمام بعضهم البعض بدون حشمة ولا خصوصية، ولكن المغاربة متشبثون بالحشمة والوقار وحفظ الخصوصيات والحميمية.
وفي مجال التعامل مع الزبائن، فإن سياسة الفنادق المغربية الراقية تعتمد على استلطاف الأجنبي والتودد إليه أكثر من اللازم مُقابل ضعف الاهتمام بالزائر المحلي، خصوصا إذا قدم ملاحظة أو طلبا أو شكاية ما، أما إذا تقدم الأجنبي بملاحظة أو طلب ما، فإن دنيا الفندق تقام ولا تقعد حتى تتم الاستجابة لطلبه.. إنها العنصرية المضادة في عقر دارنا إن صح التعبير.
أما الاحتفال بأعياد ومناسبات الأجانب، فحدث ولا حرج.. فقد يظل مثلا السيد بابا نويل مُجسما يحتل فضاء ما، أو مرسوما في واجهات ما بلحيته البيضاء داخل الفندق لعدة أشهر، ولكن أن تُعطى إشارة ولو صغيرة باحتفال الشعب المغربي بالسنة الهجرية الجديدة، أو باحتفال بالمولد النبوي الشريف، فذلك من سابع المستحيلات، أما إذا سألت أحد المسؤولين عن وجهة القبلة، أو بحثت عن المسجد في الفندق المصنف، فربما قد تدخل في خانة المشكوك في أمرهم !
كما لا يهم انبعاث صخب الموسيقى وصراخ السكارى من الحانات المتواجدة داخل الفندق المصنف، ولا يهم إذا كان ذلك يسبب انزعاج زائرين لا يسكرون ولا لذة لهم في الزعيق الليلي.
ولكن غلاء المبيت لا يعني بالضرورة الجودة في الفنادق المغربية، فكم من مرة يقع المرء ضحية هذه الفنادق من ناحية الجودة، إذ بعد أن تدفع أموالا طائلة، فليس نادرا أن تجد جودة متواضعة أو ضعيفة، مثلا زليج مُكسر، درج مفروم، رطوبة على الجدران، طاولات مخدوشة أو وسخة، تلفزيون أو مكيفات هواء لا يعرف تشغيلها إلا عامل الفندق، صنابير مثل تلك التي تركتها في بيتك تسيل منها قطرات الماء، أروقة أو مفروشات تحمل بقعا وأوساخا، أو تواجد حشرات تؤنسك ليلا ونهارا مثل النمل أو الصراصير، وإذا طالبت باستبدال أو إصلاح شيء ما (مع أنك مغربي ولست أجنبيا) فانتظر الساعة، هذا فضلا عن التلكؤ في حالة طلب الفاتورة… إلخ.
ما المانع يا وزارة السياحة من أن تنخرط الفنادق المصنفة في تشجيع السياحة الداخلية باعتماد أثمنة مقبولة من طرف السياح المغاربة؟ لماذا لا توضع أثمنة خاصة بالمغاربة لكي يستفيدوا من ثروات بلادهم السياحية ولو بوضع كوطا معينة؟ لماذا لا يتم الالتفات للبعد الوطني والدستوري في السياسة اللغوية بالفنادق المصنفة؟ ماذا ستخسر هذه المؤسسات السياحية إذا اعتمدت اللغة العربية من ضمن اللغات المستعملة في وثائق وفضاءات وتشوير الفندق؟ ألن تُوجه وقتئذ رسالة إلى الضيوف الأجانب بأن هذا الشعب له أيضا لغته الخاصة، وليست لغته هي الفرنسية أو الألمانية؟ لماذا هذا الخنوع والاستصغار أمام الأجنبي؟ لماذا لا تكون للمغربي الأولوية في التعامل كما يفعلون في الخارج مع مواطنيهم، أو على الأقل ليتم التعامل على قدم وساق؟ لماذا هذه العقدة من الأجنبي، أم تُرى أن الأمور هكذا مُخطط لها ؟
لا بد من تغيير السياسة الفندقية بالمغرب والاهتمام بالإنسان المغربي ومستواه المالي، واحترام تقاليده والاهتمام باللغة العربية وبالهندسة المعمارية المغربية في بعدها الحميمي والتقليدي، وإعادة النظر في سياسة الأثمان والجودة، والتخلي عن التودد والاهتمام المفرطين بالإنسان الغربي على حساب المواطن المغربي.



