الرأي | البلاهة والتفاهة.. وجهان لعملة واحدة


قد لا نجد فرقا نيرا بالتمايز بين البلاهة والتفاهة، غير أن البلاهة تُفكر في المتاهات الدائرية المغلقة، بينما التفاهة تعتبر كبنية من إنتاج تشويشات “اللافكر”، والمنحدر من “موضة” الخروج عن الثقافة المألوفة.. أشباح جدد من جيل “كهنة المعابد”، يفقهون فقه البلاهة في قياس أحكام القيمة، ويوزعون صكوك الغفران، وحتى التخويف من نار الفتنة، ويجعلون من “الفوضى المعرفية” مسوغا آليا لترويض الكذب كي يظهر بأنه يوازي الحق والحقيقة.
إنه وجه شبح الافتراء، كي يصبح أمام أعين “سدنة المعبد السياسي” حقيقة من ألسن أكلت “الشوك”، وعند عوام القوم “تمساح البحيرة”، وعند مستهلكي أخبار الشارع (الفايسبوك) من “عفاريت” الإغواء، ونشر عدوى “الحقد الاجتماعي” (التباغض السياسي وحتى الهوياتي منه).
مأساة جديدة تُضاف بقوة في عصر الذكاء والحكامة، تجعل من البلاهة تفكر بفكر الوصولية والانتهازية، وتماثل: “الإنسان الذي يحمل نسخة استنباط عند العالم إيفان بافلوف، المثير والاستجابة”، عند بطون كلاب وقطط البلاهة الخنوعة، و”المذلولة” في تبعيتها الانتهازية.
هنا رأي لا بد من الإشارة إليه، أن من بين “صعاليك” البلاهة الجدد، بالتخصيص لا التعويم، من يقدم نفسه على أنه من صنف الخبراء الأشداء على العلم والفكر، أو من أصناف السياسيين والحقوقيين والإعلاميين(…)، والمدونين، والمؤثرين، يسوقون لأنفسهم بأنهم يمتلكون رصيدا متحركا من الاستهبال و”تبنيج” الآخر، في حين تتخلف عنهم الأجزاء الرزينة من فكر الثقة والمصداقية.
نوعية جديدة من طينة البلاهة (الاستهبال)، يستهدفون أجزاء من المجتمع، كي لا يميز بين رواد التفاهة الأوائل (الصعاليك)، وجيل من البلاهة الجدد، الوصوليون والانتهازيون المنبطحون بالهرولة نحو المنافع الذاتية، ومن سوء التنبيهات اللازمة، أنهم يتصنعون المفهومية العقيمة، وينقبون عن الدرهم الذي قتل الحلاج تأففا، للاسترزاق وقضاء مآربهم الأخرى.
ومن سوء حسهم بـ”عظمتهم” في فقه التفاهة والبلاهة، أنهم باتوا يُصدقون بعضهم البعض، وحتى البعض من التعاليق التي تدون بألسن التماسيح الماكرة (ولاحِسِي الأحذية)، يعيشون في أنفة من نرجسياتهم، وينصبون أنفسهم أوصياء (العفة) على المجتمع، وحتى على السياسيين “المارقين” في الرأي والرفض، وعدم ركوب أمواج الصمت.
إن مسألة التفاهة عامة، تُوازي في التصنيف العالمي البُلهاء بالقصد والدلالة، وقد تزيد البلاهة عندهم من نسبة تدفق “الأدرينالين” والخوف الأبدي، وكأنهم “أَعْجَازُ نَخْل خَاوِيَة” تسقط من عروشها المصداقية والجدية.
إن الحكمة عند عصبة التفاهة (الجدد) تتمثل في نشر الفُرقة (الخواضْ)، وإحداث شرخ داخل المكون الواحد ورمي نبال الرمح “المسحور” بالنقد المبتذل على كل من يسفه أقوالهم، فالتجربة في باب البلاهة وما جاورها من التفاهة والبهتان، تأتينا من تتبع تلك السجالات العقيمة، والمتدنية بالركاكة والتسفيه والدونية.. من تم نستوثق أن البعض يعشق النهل من التفاهة إلى درجة أنه بات متخصصا في إنتاج “علاماته الحصرية” في البلاهة، وغياب الفطنة والحكامة والنضج العلمي والأكاديمي.
إن التجربة تعلمنا أن البلاهة متضمنة لعناصر متنوعة من الاستهبال (الفنتازيا) غير المألوفة، وتتأسس على زوبعة من الفوضى الأشد مكرا، وانتهاكا لدولة الحق والقانون.



