الرأي

الرأي | حتمية تأهيل وعصرنة الأسواق القروية

بقلم: عبد الإله المريباح

    إذا كان قطاع ما في المغرب لا يتغير، جامد، متحجر يقاوم طبيعة التغير والتطور، فإنه قطاع الأسواق القروية.

لا أعرف لِمَ صدر حكم الجمود والتجميد في حق الأسواق القروية المغربية، حتى إذا أراد المرء أن يسافر في الماضي لعدة عقود فليذهب حتما إلى سوق أسبوعي في قرية ما، وهذا ما حدث لي بالضبط، حيث ضربتني صدف الأقدار أن أكون يوم خميس في مدينة صغيرة.. فمنذ اللحظات الأولى من الصبح وصل إلى مسامعي من نافذة البيت، الذي كنت متواجدا فيه، صليل حوافر دواب المتسوقين القادمين إلى الدوار من الدواوير والقرى المجاورة.. فالناس آتون للتسوق في “خميسهم” لا تنقطع حشودهم بواسطة العربات، وزوار آخرون آتون رفقة حميرهم وبغالهم والبعض الآخر مع كلابهم. الشارع الذي يطل عليه بيت معارفي طريق رئيسي وممر هام لقوافل المتسوقين ومختلف زوار المدينة، لكنه مليء بروث البهائم، عادي، وقد يكون نهيق حمار مربوط تحت شباك البيت، آخر وخزة تجبرني على الاستيقاظ القسري من النوم والقفز من الفراش رغما عني.

لست متعودا على التسوق من الأسواق الأسبوعية، لكن أحيانا تشدني الرغبة إلى زيارة ذلك العالم العجيب، فبعد تناول الفطور قررت الانغماس في السوق القروي، ولمَ لا، فالأثمان مناسبة مقارنة مع الأسواق العصرية وأثمنة المدينة بشكل عام، والكل يمشي ويسير جنبا إلى جنب في الطريق الرئيسي النازل في “الحدرة”، والشاحنات، والبيكوبات، والسيارات، والدّواب، والدرّاجون، والراجلون من النساء والرجال والأطفال، الرضع على ظهور أمهاتهم، مسنون فوق ظهور دوابهم، العربات التي تجرها الحيوانات، الحيوانات المحمولة فوق العربات، الكلاب كائنات وديعة تتبع أصحابها.. كل خلق الله قاصد السوق الأسبوعي بالدوار، لأن السوق الأسبوعي ملتقى مهم في القرى.

تتمة المقال تحت الإعلان

أقترب من المدخل الرئيسي للسوق، يشتد علي خناق الازدحام، أصبح نقطة صغيرة في تلك الموجة الآدمية المتدفقة.. لقد أصبحت بين الأكوام البشرية المندفعة، ولم أتمكن من التحكم في سرعة مشيي، أنا الآن محتجز تحت سياط الأشعة الشمسية، لا مفر لي منها.. مدخل السوق ضيق، أتقدم، يزداد ضيقا، “أّعْجنُ” رغما وسط المتسوقين والمتسوقات، أشم رائحة عرق المتسوقين، أستنشق الغبار المنبعث من تحت أقدامهم، فندمت على زيارتي للسوق الأسبوعي، لكن ندمي لن يحل المشكل.

تتمة المقال تحت الإعلان

أرض كانت بالأمس خلاء عراء، تحولت بين عشية وضحاها إلى عشرات الخيام/الدكاكين القماشية أو البلاستيكية الممزقة، البضائع موضوعة مباشرة فوق الأرض، على التراب، بين الحجر، الشاحنات تحولت إلى دكاكين جاثمة فوق الأرض، وفي الجانب الآخر من الفناء مطاعم “قندهار” للمتسوقين: سردين، لوبيا، الكفتة أو ما يشبه الكفتة تبعث بدخانها الدسم من داخل الخيام البلاستيكية الرّثة المندثرة ألوانها بسبب طبقات الغبار والدخان والأوساخ المتراكمة، داخل الخيام بقايا كراسي وأشباه طاولات للجلوس، وليس بعيدا يوجد حمير وبغال يصلحون حوافرهم عند متخصصيهم. لا يهمّ، فقط أردّ البال لكيلا أتعثر في حجر ناتئ وأسقط في باحة السوق بين المتسوقين، في ذلك الجانب يصيح قالعُ الأضراس وبائعُ سمّ الفئران كل بحرفته وبضاعته. نعم ما زال قالع الأضراس بيننا في الأسواق وبائع سمّ الفئران ولا يهمه ما قد يفعله الناس بذلك السم، وخلف سور السوق يصطف – جالسين أو واقفين – بائعو الدجاج البلدي والحمام والحجل وغيرها من أصناف الطيور.

ضيوف الرحمان في السوق أتوا من الضواحي والقرى المتاخمة، تتأملهم بسحناتهم المرهقة، وملابسهم القروية رفقة حيواناتهم الضامرة الشعثة، خلق نال منهم التعب، عالـم غريب الأطوار.. بشر، دواب، أشياء، سمات ومشاهد حيةٌ حقيقية على مشارف مغرب المونديال شديدة الشبه، بل متطابقة مع الصور التاريخية للمغرب عند مطلع القرن العشرين الموجودة في المتاحف والصحف القديمة !

لقد توقف الزمن في هذه الدواوير المظلومة.. أمة محنطة، عقل اختار الجمود.. يتبادر إلى ذهني أنني لو كنت مسؤولا كبيرا، لأجريت دراسة كبيرة حول أسباب جمود هذه الأمة وسبل النهوض بها، ولكن ما شأني أنا.. أنا رجل آكل الطعام وأمشي في الأسواق، عابر سبيل يسير بين خلق الله، يتسوق مع المتسوقين بما جادت به ميزانيته النحيفة، أشتري ما يشتري الناس في السوق من بطاطس وسردين وعدس ونعناع وألتحق ببيت معارفي وكأنني كنت في كوكب آخر.

الأسواق القروية المغربية فضاء ممتع، موروث ثقافي غني، له قيمة تاريخية، سياحية وتجارية، وتلعب دورا هاما في التبادل التجاري واستقرار الساكنة المحلية، ولكن ما المانع من عصرنة هذه الأسواق والاهتمام بها وتجهيزها بالبنيات التحتية الآدمية الضرورية ؟

فالأسواق القروية الأسبوعية تحتاج فيما تحتاج إليه إلى:

إصلاح الطرق المؤدية إليها، إصلاح أرضيتها، والقضاء على الأتربة التي تتحول إلى وحل يشد أرجل الناس ويولد السخط لدى الزائرين بعد قطرات قليلة من المطر؛

القضاء على تلك الخيام القماشية والبلاستيكية الرثة المحزنة الوسخة، واستبدالها بخيام أو مواد جميلة؛

تجهيزها بطاولات وكراسي لائقة ورفوف عصرية ونظيفة عوض ألواح خشبية مسوسة وبقايا بلاستيكية لكي توضع عليها البضائع عوض وضعها فوق التراب والحجر؛  

القضاء على آفة النفايات العشوائية، وتجهيز هذه الأخيرة بقنوات الصرف الصحي، فهل يا ترى لا يستحق الإنسان القروي المغربي النظافة وقنوات الصرف ؟

القيام بمراقبة جودة المواد المعروضة للبيع من أكل وغيره؛

إعادة النظر في مهنتي قالع الأسنان وبائع سم الفئران في الأسواق الأسبوعية نظرا لخطورة هذه الحرف على الصحة العامة؛

فما أحوجنا إلى إصلاح عميق وأنسنة لأسواقنا القروية، لكن مع الحفاظ على طابعها القروي الجميل، التاريخي والسياحي، من أجل مواكبة مغرب كبير يتقدم بخطى كبيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى