الرأي | العنف المدرسي.. حين تتحول ساحات التعلم إلى ميادين للصراع


تشهد المؤسسات التعليمية في السنوات الأخيرة، تناميا مقلقا لظاهرة العنف التلاميذي، التي باتت تتخذ أشكالا متباينة ومتصاعدة، من العنف اللفظي والتهديدات، إلى الاعتداءات الجسدية والتخريب المتعمد للممتلكات، فضلا عن التنمر الإلكتروني، الذي يجد في الفضاء الرقمي أرضا خصبة للانتشار بعيدا عن أعين الرقابة، فما كان يعد في الماضي حالات معزولة، أصبح اليوم ظاهرة متفشية تؤرق الفاعلين التربويين والأسر وصناع القرار.
جذور الظاهرة.. الأسرة، المدرسة، والمجتمع في قفص الاتهام
لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن سياقاتها المتشابكة، إذ تُعد العوامل الأسرية أحد أبرز الأسباب، مثل التفكك العائلي، العنف المنزلي، وغياب التواصل بين الآباء والأبناء، كما تساهم الظروف الاقتصادية والاجتماعية الهشة، من فقر وتهميش وبطالة.. في خلق بيئة خصبة لليأس والعدوانية، إلى جانب ذلك، تعاني العديد من المؤسسات التعليمية من الاكتظاظ داخل الفصول، ونقص في التأطير التربوي والنفسي، مما يصعب عملية ضبط السلوك وتقويمه.
ولا يمكن إغفال دور وسائل الإعلام والمحتويات الرقمية العنيفة، التي تروج للعنف كمظهر من مظاهر القوة والهيمنة، مما يساهم في تطبيع السلوك العدواني لدى بعض التلاميذ، خاصة في ظل ضعف الرقابة والتوجيه.
حين يتحول العنف إلى تهديد وجودي للمدرسة
لم تعد هذه التصرفات مجرد سلوكات مراهقين غاضبين، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى أعمال عنف خطيرة تهدد السلامة الجسدية والنفسية للأطر التربوية والإدارية، وسُجلت حالات إصابات بليغة، بل وحتى وفيات، نتيجة اعتداءات تلاميذية، وهو ما يرفع درجة الخطورة إلى مستويات غير مسبوقة، بالتالي، فإن هيبة المدرسة، كمؤسسة للتنشئة والتربية، أصبحت على المحك، وهو ما يستوجب دق ناقوس الخطر والتعامل مع الظاهرة بجدية قصوى.
نحو مقاربة شمولية للوقاية والمعالجة
لمواجهة هذا الواقع المعقّد، لا بد من مقاربة متكاملة ومتعددة الأبعاد، تشمل كلا من الأسرة، المدرسة، والمجتمع، إذ على الأسرة أن تضطلع بدورها في التربية على الحوار والاحترام والمسؤولية، فيما ينبغي على المدرسة أن تُعزز برامج التأطير النفسي والتربوي، وتفعل آليات المواكبة والإرشاد داخل الفصول وخارجها.
كما أنه على المجتمع برمته، بما في ذلك وسائل الإعلام والمؤسسات الثقافية والمدنية، أن يساهم في إعادة الاعتبار لقيم التعايش واللاعنف، من خلال حملات توعوية ومسارات تثقيفية مستمرة، وفي السياق نفسه، تبرز الحاجة إلى إصلاح تشريعي وتنظيمي يمكن من تفعيل عقوبات تربوية رادعة، مع احترام حقوق الطفل والتوازن بين الزجر والتأهيل.
إن استمرار استفحال العنف داخل المؤسسات التعليمية يضع المنظومة التربوية في مواجهة تحد وجودي حقيقي، ومهما تنوعت الأسباب، تبقى الوقاية والتربية على القيم هما السلاح الأقوى في وجه هذا الانفلات.. فمدرسة بلا عنف هي حجر الأساس لمجتمع سليم، متوازن، ومتماسك.



