الرأي | مشروع الهيمنة الأمريكية في إدارة ترامب


بدأت تتأكد التكهنات التي جاء بها منظرو السياسة الدولية حول عهدة ترامب الثانية، ورغبته الأكيدة في الالتزام بالعهود التي سطرها أمام ناخبيه الأمريكيين، وقد شملت كل المجالات، السياسية والاقتصادية والثقافية، وحتى الاجتماعية، رغبة منه في إعادة الأمجاد للولايات المتحدة والهيمنة لحماية مصالح بلاده في العالم.
إن الرئيس ترامب جاء ليفند النظريات السياسية التي تؤكد أن أمريكا تعيش مرحلة احتضار، وأن الصين قد تكون الوريث الشرعي من بين الحضارات الإنسانية الأخرى.
فالنمو الاقتصادي المهم الذي تحققه الصين خلال العقود الأخيرة، جعل ساسة واشنطن يشككون في النوايا الصينية حول رغبتها في مزاحمة الهيمنة الأمريكية على العالم، ذلك أن الطريق نحو قيادة العالم يمر عبر بناء قوة اقتصادية كبيرة، وهذا ما تستشعره الولايات المتحدة أمام تراجع اقتصادها مقارنة بالصين أو الهند، أو حتى أوروبا.
لأن الثابت، أن ضعف أو أفول الإمبراطوريات التي حكمت الأرض لقرون، كان مرده تراجع القوة الاقتصادية الذي أثر سلبا على المجالات الأخرى، العسكرية والسياسية، ولدينا نماذج من التاريخ، وهذا ما حدث للإمبراطورية الرومانية والبريطانية، وكذا العثمانية…
قد يبدو لبعض المحللين للسياسات الأمريكية، أن الرئيس ترامب يعتبر حالة استثنائية من بين كل الرؤساء الذين تعاقبوا على حكم أمريكا، لما يثيره من ضجيج وتصرفات غريبة، بل هناك من يحذر من هذه التصرفات لأنها قد تلحق أضرارا بالغة إن لم تكن مدمرة لأمريكا، كما ذهب إلى ذلك الصحفي المصري محمود سلطان.
إن الواضح، أن الرئيس ترامب جاء إلى السلطة لبناء إمبراطورية جديدة مهيمنة، وعلى العالم احترام مصالحها، “أمريكا أولا”، وهي أقرب إلى عقيدة مونرو “أمريكا للأمريكيين”.
ولهذا، أكد في بداية ولايته الثانية، أن أمريكا قائمة على المنافع والمصالح، فهو لن يتردد في إسقاط التحالفات إذا كانت المصالح والمنافع مهددة، وهذا ما حدث مع حلفائه في “الناتو” عندما حثهم على الرفع من ميزانية الدفاع في حكوماتهم وإلا فإن أمريكا غير معنية بالدفاع عن أوروبا، كما أنه أصدر قرارا تنفيذيا يؤكد فيه انسحاب أمريكا من اتفاقية باريس للمناخ، وهذا ما أكده كذلك وزير خارجيته ماركو روبيو، في إحدى خرجاته الإعلامية، حيث صرح بأن التخلي عن اتفاقية مكافحة تغيير المناخ ضروري، لأنها تضعف أمريكا اقتصاديا.
ولهذا ترتكز عقيدة ترامب في إدارة السياسة الخارجية، على جعل أمريكا مهيمنة وعظيمة مرة أخرى، من خلال معالجة مجموعة من الملفات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
أما الاقتصاد، فمع صعود التكتلات الاقتصادية الأخرى، مثل “البريكس”، التي يقودها كل من روسيا والصين والهند، والنمو القوي لهذه المجموعة، دفع الدولار إلى التراجع أمام تعامل هذا التكتل بالعملات المحلية المنضوية في “البريكس”، مما جعل أمريكا تحس بأن عرشها مهدد وهيمنتها الاقتصادية على العالم في تراجع.
ولمواجهة هذه التحديات، قامت إدارة ترامب بفرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية والرفع من الرسوم الجمركية كما حدث مع كندا والمكسيك، والصين كذلك، التي تعتبرها أمريكا العدو رقم واحد باعتبارها المهدد الرئيس للهيمنة الأمريكية على العالم.
ولهذا اختار الرئيس ترامب سياسة المواجهة والصدام عبر استخدام نهج العقوبات والرسوم الجمركية، وكذا لسياسة العصا، فترامب لن يقبل بوجود قطبين على الساحة الدولية أو عدة أقطاب، بل يؤمن بأن أمريكا ستعود المهيمن على العالم لو اقتضى الحال الاستعانة بالقوة، رافضا كل النظريات التي تشكك في قدرة أمريكا على الاستمرار كفاعل وحيد للهيمنة على العالم.



