الرأي

الرأي | جيل “Z”.. الشباب الجدد بين الثقافة والابتكار

بقلم: عبده حقي

    يمثل مصطلح جيل “Z”، المولود بين منتصف التسعينيات وأوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، جيلا يتميز بالطلاقة الرقمية والوعي العالمي والرغبة في التغيير المجتمعي.

في العالم العربي، حيث تقل أعمار أكثر من 60 % من السكان عن 30 عاما، يمثل هذا الجيل قوة هائلة تُعيد تشكيل المشهد الثقافي والاقتصادي والتكنولوجي. وليست هناك دولة تشهد هذا التحول أكثر ديناميكية من المغرب، هذا الوطن الذي يتموقع بين تياري شمال إفريقيا وأوروبا، حيث تتشابك التقاليد مع الحداثة.

يعتبر جيل “Z” المغربي، كغيره من أقرانه في العالم، مواطنين رقميين، مدافعين عن حقوقهم الاجتماعية، ومتعلمين قادرين على التكيف.. إلا أن تجاربهم تُشكلها بشكل خاص الوقائع المحلية، من التحديات الاقتصادية إلى التراث الثقافي.

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد نشأ جيل “Z” المغربي في ظل صيرورة رقمنة متسارعة، مع وصول نسبة انتشار الأنترنيت إلى 88 % عام 2023، ونسبة استخدام الهواتف الذكية إلى 80 % بين الشباب، تهيمن منصات مثل “إنستغرام” و”تيك توك” على حياتهم اليومية، وعلى عكس جيل الألفية الثالثة، الذي شهد صعود الأنترنيت، لم يعرف جيل “الزوم Z” المغربي عالما خاليا من التوجهات المتشعبة أو الرسائل الفورية. وقد ساهم هذا التواصل في إضفاء طابع ديمقراطي على الوصول إلى المعلومات، مما مكن من تعزيز النشاط والإبداع. على سبيل المثال، خلال حملة (#Masaktach) “لن أُسكت” عام 2021، استخدم الشباب المغاربة وسائل التواصل الاجتماعي لتحدي العنف القائم على النوع الاجتماعي، مما أثار جدلا واسعا على مستوى البلاد ككل، وبالمثل، أصبح “تيك توك” مساحة للتعبير الثقافي، حيث يمزج المستخدمون التقاليد مع الثقافة الشعبية العالمية، مبرزين الهوية متعددة الثقافات للمغرب.

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد أثرت أحداث عالمية، مثل الركود الاقتصادي في عام 2008، وجائحة “كوفيد-19” بشكل خاص، على الشباب المغربي، حيث أدى ذلك الركود إلى تفاقم بطالة الشباب، التي لا تزال مرتفعة بإصرار عند 16 %، وهو رقم يغذي الإحباط، ولكنه يغذي أيضا روح ريادة الأعمال، حيث يتجه العديد من الشباب المغاربة الآن إلى الشركات الناشئة واقتصادات العمل الحر، مستفيدين من منصات مثل “أفيتو” للحصول على الدخل، كما سرّعت الجائحة من وتيرة التكيف الرقمي.. فعندما أغلقت المدارس أبوابها، انتقل أكثر من 90 % من التلاميذ والطلاب إلى التعلم عن بُعد عبر منصات حكومية مثل “TelmidTICE”، وبينما تحسنت وضعية شباب المدن، واجهت المناطق القروية فجوات في الاتصال، مما سلط الضوء على الفوارق الاجتماعية والاقتصادية، ومع ذلك، برزت مرونة جيل “Z” من خلال مبادرات مثل “دروس يوتيوب” التي قادها الطلاب، والتي تمكنت من سد الفجوات التعليمية.

لقد وجدت دراسة استقصائية أُجريت عام 2022، أن 70 % من الشباب المغربي يفضلون العلامات التجارية التي تدعم الاستدامة، مما يعزز الطلب على الشركات الناشئة الصديقة للبيئة، ويمزج مؤثرو وسائل التواصل الاجتماعي بين الترويج للمنتجات والفخر الثقافي، وغالبا ما يسلطون الضوء على الحرف المغربية، ومع ذلك، لا يزال التشكيك قائما، إذ يُراجع 65 % من جيل “Z” التقييمات الإلكترونية قبل الشراء، مما يعكس إدراكهم العميق للتكنولوجيا.

إن المرونة تحدد منهج جيل “Z” في مسيرته المهنية، إذ أنه بعد جائحة “كورونا”، أعطى 40 % من الشباب المغربي الأولوية للعمل عن بُعد، وهو تحول تبنته قطاعات كثيرة، مثل تكنولوجيا المعلومات والتسويق الرقمي، ويعكس التعليم هذا التوجه، إذ شهدت بعض المنصات الإلكترونية ارتفاعا في التسجيل على الرغم من أن الجامعات التقليدية تُكافح من جانبها من أجل التحديث، كما ازدهرت ريادة الأعمال أيضا، حيث يحتضن “مجمع الشركات الناشئة” في الدار البيضاء، مشاريع في مجال الطاقة المتجددة والتكنولوجيا الزراعية، مما يعكس رغبة جيل “Z” في إحداث تأثير هادف وفعال.

يصنف النقاد جيل “Z” على أنه مشتت الرغبات أو معتمد أساسا على دعامات التكنولوجيا، إلا أن هذه الآراء تتجاهل قدرته الفائقة على التكيف، وإذا كان تصريف وقت الشاشة ماض في ارتفاع مهول، إلا أن الشباب المغربي يوازن بين الانخراط الرقمي والتواصل مع المجتمع، كما يتضح في حملات رمضان الخيرية المنظمة عبر “واتساب”..

إن جيل “Z” المولود بين منتصف التسعينات وبداية العقد الثاني من الألفية، يتميز بارتباطه القوي بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي.. هذا الجيل أكثر انفتاحا على العالم وأسرع في تبني الأفكار الجديدة، لكنه يواجه تحديات تتعلق بسوق العمل، والتعليم، والهوية الثقافية، ورغم تأثير العولمة، يحتفظ كثيرون منهم بجذورهم الثقافية ويبحثون عن طرق لدمج الحداثة بالتقاليد، كما يُظهر جيل “Z” وعيا متزايدا بالقضايا الاجتماعية والبيئية، ويشارك في النقاشات العامة بشكل فعال.. إنهم يشكلون قوة تغيير محتملة في مغرب اليوم والمستقبل، حيث يسعون إلى بناء مجتمع أكثر عدالة وأوسع فرصا، مع الاحتفاظ بخصوصية الهوية المغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى