الرأي

الرأي | ازدواجية المعايير في السياسة الأمريكية الترامبية

بقلم: بنعيسى يوسفي

    منذ أن انتخب دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية وهو يتوعد الجميع، على المستوى الداخلي والخارجي، ويمكن القول أن لغة الوعيد هذه كانت حتى قبل توليته منصب الرئاسة الجديد، في إشارة واضحة لبرنامجه السياسي الذي سيعمل جاهدا على تنفيذه في غضون ولايته الجديدة التي تعتبر، حسب العديد من المحللين، تتمة وتكملة لخططه وبرامجه السياسية والاقتصادية بالخصوص، التي دشنها إبان ولايته الأولى.

صحيح أن طموحات ترامب ازدادت وباتت أكثر من المتوقع، خاصة حينما أطلق العنان لأحلامه بالسيطرة على جزيرة غرينلاند وبنما وشراء قطاع غزة، والبقية تأتي على اعتبار أن كل ذلك في نظره مرتبط بالأمن القومي والاقتصادي الأمريكي، وسواء نفذ ترامب هذه الأقوال أم لم ينفذها، فإن الأمر في النهاية يعكس عقلية سياسية تريد خلخلة العالم وموازين القوى فيه، من منطلق إعادة الهيبة المفقودة للولايات المتحدة والتي فقدتها مع حكم الديمقراطيين قبله، وإذا كان يبدو من الطبيعي أن لكل رئيس دولة برنامجه السياسي والاقتصادي الذي يريد تنفيذه وترجمته على أرض الواقع خلال ولايته، وتجنيد كل الطاقات والآليات القمينة لذلك، وهو يعلم أنه سيؤدي الحساب فور نهاية عهدته، هذا البرنامج أو هذه المخططات التي يبدو للبعض أن فيها نوعا من المبالغة والغلو، أو فيها إلحاق أضرار بجهة أو دولة معينة، لكن مع ذلك – بلغة المصالح – يمكن أن نقبل بها، أما  الذي لا يبدو طبيعيا على الإطلاق وليس مقبولا، فهو ازدواجية المعايير وسياسة الكيل بمكيالين.. هذه السياسة التي ينهجها الرئيس ترامب، والتي يجعل منها شعارا له، مبنية على التناقضات والكلام ونقيضه، ورفع السقف عاليا في بعض الأحيان، والتراجع عن قرارات يكون قد اتخذها في الأمس القريب، وعدم الدقة في الخطاب واللغة، مما يجعل باب التأويل مواربا على مصراعيه، وهذا كان واضحا بخصوص موضوع شراء غزة وإعمارها وتهجير أهلها إلى وجهات مختلفة، فالجميع صدم بهذا القرار ولا أحد من جهابذة التحليل السياسي والاستراتيجي استطاع أن يعطينا الدلالة الحقيقية لمثل هذا الكلام، والغاية من دون شك هي خلط الأوراق وزرع الخوف والرعب في صفوف الدول العدوة والصديقة، في أفق تشكيل معالم عالم جديد يكرس الهيمنة الأمريكية من جديد على أسس جديدة وخريطة طريق جديدة تلعب فيها الورقة الاقتصادية والرفع من الرسوم الجمركية أدوارا مهمة، دون أدنى اهتمام للعواقب الوخيمة التي يمكن أن تنتج عن هذه السياسة، حسب الكثير من المهتمين والمحللين.

وتتجلى سياسة ازدواجية المعايير بشكل أوضح في السياسة الأمريكية الحالية، في رغبة هذه الإدارة في إنهاء الحروب في أماكن بعينها وتشجيعها في أماكن أخرى، وهذا أمر لا يستقيم، ولا يمت للأخلاق السياسية في شيء، خاصة في الوقت الراهن، فالكل يتابع المجهودات الكبيرة والحثيثة التي تبذلها الولايات المتحدة في إنهاء الحرب في أوكرانيا مهما كلف ذلك من ثمن، والكل يتابع الضغوطات التي يمارسها الرئيس الأمريكي على أوكرانيا لقبول صفقة وقف إطلاق النار مع روسيا، ومشاهد التقريع التي تناقلتها مختلف وسائل الإعلام الدولية للرئيس الأوكراني في البيت الأبيض، ووضعه أمام صورة حاضر ومستقبل بلده إذا لم يقبل بنود الصفقة الأمريكية الجاهزة، ولا تخفى على أحد النوايا الأمريكية الحقيقية من وقف هذه الحرب التي دعمت فيها أمريكا بشكل غير مسبوق أوكرانيا خاصة في عهد بايدن، وهذا التقرب غير البريء للإدارة الجديدة من روسيا، يستشف منه أن أمريكا تستعمله وسيلة ضاغطة لدفع دول الاتحاد الأوروبي للإنفاق أكثر على “الناتو” لكي يحميهم من خطر الدب الروسي الداهم، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن الإدارة الأمريكية تستعجل إنهاء الحرب حتى يتسنى لها إبرام صفقة استغلال المعادن النادرة التي تسكن جوف الأراضي الأوكرانية، لكي تسترجع الكم الهائل من الأموال التي أنفقتها على هذه الحرب لما يربو عن ثلاث سنوات ونيف، وعلى كل حال، فمهما كانت هذه النوايا، يبقى الأهم من كل ذلك هو الرغبة في إنهاء الحرب في هذه المنطقة، الشيء الذي لا ينطبق على الحرب في غزة، وفي اليمن، والتهديدات المستمرة لإيران، فقبل تولي ترامب الرئاسة، كان قد أعلن أن من أولوياته إنهاء الحرب في غزة وضمان استمرار تدفق المساعدات وتقديم الدعم الكامل لجهود الوساطة لإيجاد السبل الكفيلة لإيقاف هذه الحرب وتبادل الأسرى، لكن سرعان ما تملص الرئيس من وعوده، وأعطى الضوء الأخضر للكيان الصهيوني لإبادة ما تبقى من سكان غزة وكأنه ينفذ وعده السابق بتحويل غزة إلى جحيم، وفي نفس الوقت، شرع في تنفيذ ضربات على اليمن وتخريب ما تبقى مما تركته الحرب الأهلية فيه، ثم إرغام إيران على التفاوض المباشر، لإنهاء برنامجها النووي أو شن ضربات عليها، ويحدث هذا بالتزامن مع نقل حاملات الطائرات إلى التخوم الإيرانية وكأننا مقبلين على مشهد دراماتيكي يعيد إلى الأذهان الحرب الأمريكية العراقية في عهد صدام حسين. كل هذه المتغيرات تنذر بمستقبل أسود في المنطقة، والرئيس الأمريكي قد يأخذه الجنون إلى قصف إيران، وحينذاك يكون قد فتح باب المنطقة على جحيم حقيقي، خاصة وأن إيران لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي ضربة تأتي من أي جهة كانت.

تتمة المقال تحت الإعلان

صحيح أن هناك أصواتا تنادي بتجنيب هذه المنطقة المشتعلة أصلا المزيد من الحروب والجلوس إلى طاولة المفاوضات للوصول إلى حلول للإشكاليات الحقيقية العالقة، كروسيا والصين، اللتين تبدوان مصطفتين إلى جانب إيران ظاهريا على الأقل..

تتمة المقال تحت الإعلان

هكذا إذن، يبدو أنه في الوقت الذي تسابق أمريكا الزمن لإيقاف الحروب في مناطق معينة لتحقيق مصالحها، تريد إشعالها في مناطق أخرى لنفس الغاية وإرضاء لحليفتها الاستراتيجية إسرائيل، مما يوضح ما أومأنا إليه سالفا في أن أمريكا تنهج سياسة الكيل بمكيالين في سياستها الخارجية، وتكرس ازدواجية المعايير في خطاباتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى