الرأي

الرأي | متى يرفع الحيف والاستغلال عن المهندسين المتدربين ؟

بقلم: عبد الإله المريباح

    في إحدى مدارس المهندسين بشمال المغرب، تم السنة الدراسية 2023-2024، إحداث خيار: هندسة السيارات في إطار شعبة “تدبير السلسلة اللوجستيكية”، وهو الخيار الذي يأسس لأول مرة، والمبادرة ليست محلية أو اقتراح عابر لحلقة طلابية، ولكنها آتية من المصالح المركزية العليا، وبالضبط من وزارة التعليم العالي، ووزارة الصناعة والتجارة، بتنسيق مع شركة متخصصة في صناعة السيارات بطنجة، وهي مؤسسات تعطي الانطباع بأن الأمور أكثر من جدية.

كل شيء بدأ بـ”الشفوي” خلال التواصل مع الطلبة من أجل تشجيع المتفوقين منهم على الانخراط في الخيار الجديد، وحسب الاتفاقية التي لم يطلع عليها الطلبة رغم إلحاحهم، فإن الثلاثي: وزارة التعليم العالي، وزارة الصناعة والتجارة، وشركة السيارات، يضمن للطلبة إنجاز تدريبهم النهائيProjet de Fin d’Etudes في إحدى الوحدات الصناعية للسيارات في مدينة طنجة، متبوع بإدماج المهندسين في الشركات التي سيتدربون فيها.

فعلا، تم تشجيع الطلبة على الانخراط في التخصص الجديد، وتم تكوين قسم مصغر مكون من 10 طلبة مهندسين متخصصين في السيارات هم من خيرة طلبة اللوجستيك، وجاء وقت التدريب، لكن هذا التدريب لم يعره المسؤولون أدنى اهتمام. نعم بكل استخفاف ولامبالاة لم يتم التواصل مع الطلبة من أجل تأكيد لهم تداريبهم التي رهنوا لأجلها اختيارهم الدراسي والمستقبلي، ولم يُخبروا لا بتوقيت التداريب ولا بأماكنها، ولكن بعد الاتصال المتكرر والمضني للطلبة مع مؤسستهم التعليمية، تم إخبارهم بضرورة إحضار مجموعة من الوثائق قبل 48 ساعة فقط من بداية “السطاج”.. إنها منهجية وعقلية مغربيتان بامتياز، نستحق عليها ميزة “Made in Morocco”، لكن المهندسين لا يمزحون، فأمام الغموض والتأخر في التواصل معهم، تدبر عدد منهم أمورهم ووجدوا “سطاج” في مكان آخر رغم انخراطهم والتزامهم بدراسة خيار لم يكونوا ليسيروا فيه دون تشجيع (في الواقع دون تحايل) من طرف المسؤولين، وبعد التحاق بقية الطلبة المهندسين، الدراويش، الذين ظلوا ينتظرون شركة السيارات، أُسندت لهم مهام شاقة ودقيقة دون الحصول على أدنى تعويض شهري أو جزافي، وهو أمر لا يمكن تفسيره بشيء آخر غير الاستغلال الممنهج والجشع.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن المهندسين والمهندسات يقومون بمهام على مستوى عال من التخصص والكفاءة بطريقة مجانية، فيما الشركة اعتبرت بصلافة أن مجانية التنقل ووجبة أكل يحصلون عليها تقومان مقام التعويض، وكأن المهندسين المتدربين ليس لهم ما يأكلون وليس لهم كيف يتنقلون، وخلال المهام اليومية التي يقومون بها، لا يحصلون على أي شيء من آليات وأدوات العمل، لا حواسيب ولا هواتف ولا حتى دفاتر، كل شيء على الطلبة المهندسين أن يأتوا به، وفي حالات أخرى يعدونهم بالحصول على حاسوب العمل، لكن يتم التماطل والتسويف إلى غاية إنهاء التداريب بكل بساطة واستخفاف، وكثيرا ما يحتاج مسؤولون كبار في الشركة أبحاثا وعروضا متخصصة لا يجدون في متناولهم إلا المهندس المتدرب ينجزها لهم بكل احترافية، ليتظاهر المسؤولون بعد ذلك بأنهم هم أصحاب العرض أو البحث، ويعملون على نشرها في مواقعهم الخاصة.

تتمة المقال تحت الإعلان

نعم، هكذا تنتهي هذه التداريب الاستغلالية المضنية لما بين أربعة وستة أشهر، والتي توفر على الشركة عشرات الملايين من الدراهم لو وظفوا أطرا أخرى، دون أن يكون للمهندسين المتدربين أدنى مكافأة أو أجر.

وبعد انتهاء التداريب، تأتي لحظة تاريخية في حياة المهندس الطالب، إنها لحظة تقديم الأطروحة في مدارسهم، حيث يكونون قد تلقوا وعدا بحضور مؤطريهم من الشركة من أجل دعم البحث الطلابي، لكن غالبا ما يتدبر أولئك المؤطرون شتى أنواع الذرائع والأعذار من أجل التنصل من وعدهم وعدم حضور المناقشة، فيتركون الطلبة لمصيرهم بدون رأي ودعم من طرف الشركة التي تدربوا فيها. أليس هذا استخفافا وتهاونا واستصغار للمسؤولية؟ ألا تملك الشركة بقشيشا تافها لتعويض المؤطرين عن مهمة صغيرة ليوم واحد في مدينة قريبة جدا ؟  

وفي الأخير، تأتي لحظة الحقيقة، ألا وهي تنفيذ وعد إدماج المهندسين المتدربين كموظفين في شركة السيارات. لا شيء من ذلك حدث، وذهبت آمالهم في الوظيفة سُدى رغم الوعود التي قدمت لهم بتوظيفهم بعد إنهاء التدريب والحصول الرسمي على الديبلوم، وتبين أن كل تلك المسرحية كانت فقط من أجل استغلالهم مجانا، وانتشر المهندسون العشرة في الآفاق يبحثون عن مصيرهم بأنفسهم.

لابد من الإشارة إلى طامة أخرى يُعاني منها المهندسون الرجال، تتمثل في حيف وتمييز خطير يجب أن يوضع له حد فورا، وهو تهافت الشركات بشكل عام على المهندسات الفتيات بشكل مبالغ فيه لأسباب غامضة، وربما ليست غامضة، ويظل المهندس الرجل يقدم مئات الطلبات على العمل يمينا وشمالا دون الحصول على وظيفة، فيما تحصل زميلاتهم المهندسات على “سطاج” ووظيفة بشكل أسرع، فهل الميزات الجنسية تدخل أيضا في معايير الوظيفة ؟

هذا غيظ من فيض فيما يعانيه المهندسون المتدربون والرسميون في الشركات المغربية والأجنبية المتواجدة بالمغرب، فهل بهذه الوضعية والتعامل المعنوي والمادي سنشجع الكفاءات المغربية على الاستقرار في بلدها من أجل تنميته وازدهاره؟ ألن ينتظر المهندس أول فرصة لكي يفر إلى الخارج من أجل ظروف تعاملية ومادية أفضل؟ إلى متى سنظل ندرّس ونكوّن المهندسين والأطر العليا ونصدرها على طبق من ذهب إلى الخارج بسبب إهمالنا لها واستخفافنا بها ؟

لابد من إعادة النظر بشكل جوهري في منهجية التعامل وإدماج مهندسينا وأطرنا في الشركات، والكف عن الاستغلال والحيف والاستخفاف واللامبالاة والميز الجنسي وأجور “جوج فرنك”، لابد من العض بالنواجد على أطرنا وتشجيع المادة الرمادية المغربية من أجل المكوث في أحضان الوطن.. فهل من مجيب ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى