الرأي

الرأي | السلطان محمد الخامس.. بين الجهاد الأكبر والجهاد الأصغر

بقلم: عبد الله بوصوف

    في كل زياراتي للترحم على باني الأمة السلطان /الملك محمد الخامس طيب الله ثراه.. تخليدا لذكرى وفاته في العاشر رمضان من كل سنة.. تزداد مساحة فضولي وأسئلتي حول شخصية هذا الملك الراقد في ضريح العاصمة، وتتسابق أمامي صور شريط بإنجازات تاريخية قوية للاعب سياسي من طينة نادرة ومواقف تاريخية في لحظات لا تعترف بالخطأ أو التراجع، فالسلطان/الملك محمد الخامس شاهد غير عادي على أحداث غير عادية غيرت مجرى تاريخ المغرب وإفريقيا والعالم..

ويكفي التذكير بتدبيره لمرحلة الحماية الفرنسية والإسبانية وطنجة الدولية، كما يكفي التذكير بتدبيره للظهير البربري سنة 1930 ودعمه للمظاهرات الرافضة له.. ولا يمكننا عدم الوقوف على ذكاء اختيار طنجة الدولية وإلقاء صرخة المطالبة بالحرية والاستقلال في أبريل 1947 بقوله: ((إن حق الأمة المغربية لا يضيع ولن يضيع…))، خطاب ناري عجل بتغيير المقيم العام آنذاك.

فمدينة طنجة وطابعها الدولي كانت تحتضن جرائد بلغات عديدة وإقامة مفكرين وكتاب ورجال دين.. وتحتضن مقرات قنصليات دول عديدة، مما يضمن الانتشار الواسع لمضامين ذلك الخطاب التاريخي بقوله: ((فنحن بعون الله وفضله على حفظ كيان البلاد ساهرون ولضمان مستقبلها المجيد عاملون ولتحقيق الأمنيات التي تنعش قلب كل مغربي سائرون)).

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد نسج الملك الراحل محمد الخامس علاقات خاصة مع الجنرال الإسباني فرانكو، ومع الجنرال الفرنسي شارل ديغول، الذي وصفه عند استقباله بالقصر الرئاسي في يونيو 1945 بـ”رفيق التحرير”، وبنى علاقات متينة مع الرئيس الأمريكي روزفيلت أثناء انعقاد مؤتمر آنفا بالدار البيضاء سنة 1943، بحضور كل من البريطاني ونستون تشرشل وروزفيلت وديغول من أجل دراسة خطة الحلفاء والنصر في الحرب العالمية الثانية.

تتمة المقال تحت الإعلان

ففي كل اللقاءات والمؤتمرات، كان يطالب باستقلال المغرب وبسيادته الكاملة على أراضيه، كما أن رفضه تسليم اليهود المغاربة إلى حكومة فيشي النازية سنة 1941، وتنسيقه مع الحركة الوطنية وإصدار وثيقة 11 يناير سنة 1944، جعلت الإقامة العامة الفرنسية في حالة هيجان ونرفزة عجلت بنفيه والأسرة المالكة سنة 1953 إلى كورسيكا ثم مدغشقر، وتنصيب محمد بن عرفة أو “السلطان الدمية” الذي رفضه كل المغاربة الذين أشعلوا نار المقاومة حتى عودته سنة 1955.

لا يمكن للذاكرة الإنسانية العالمية أن تنسى ترافع الملك محمد الخامس رحمة الله عليه من أجل استقلال الجزائر من داخل مبنى الأمم المتحدة بنيويورك في دجنبر 1957، ولا يمكن لذات الذاكرة القفز على المجهود الجبار من أجل استقلال العديد من الدول الإفريقية ورفعه لشعار: “إفريقيا للأفارقة” وتنظيمه لمؤتمر البيضاء في يناير 1961 والذي مهد لخلق منظمة الوحدة الإفريقية سابقا والاتحاد الافريقي حاليا، مما يجعل من المغرب “أبا مُؤسسا لذات المنظمة الإفريقية”.

زخم سياسي كبير وأحداث تاريخية عديدة ميزت الانتقال من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، أي استرجاع المناطق المستعمرة، خاصة الأقاليم الصحراوية، كالزيارة التاريخية لمحاميد الغزلان في فبراير 1958 واستقباله لشيوخ القبائل الصحراوية لتجديد البيعة والولاء عندها خاطبهم: ((سنواصل العمل بكل ما في وسعنا لاسترجاع صحرائنا)).

فالجهاد الأكبر كان يعني أيضا بناء المغرب الجديد المستقل.. على مستوى آليات الديمقراطية بتأسيس المجلس الوطني الاستشاري، والمجلس الأعلى للقضاء، المجلس المكلف بوضع دستور للمملكة، وعلى المستوى الاقتصادي والمالي بتأسيس بنك المغرب وإصدار الدرهم، وعلى المستوى الحقوقي بإصدار ظهير الحريات العامة في نونبر 1958، المنظم للأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني.

وبطبيعة الحال، فقد رافقه في كل عمليات التحرير والاستقلال والبناء، الراحل الملك الحكيم الحسن الثاني طيب الله ثراه، والذي واصل طريق بناء الدولة المغربية الحديثة، ثم استلم مشعل الأمانة العظمى الملك محمد السادس سنة 1999، والذي قاد ثورات هادئة في كل الميادين وغير وجه المغرب الاقتصادي والحقوقي والاجتماعي..

اليوم، نجد أنفسنا أمام سؤال قديم / جديد: لماذا نكتب التاريخ؟

فمن حق الأجيال القادمة قراءة صفحات مشرقة لملوكها العظام وتضحياتهم الجسام، كالسلطان محمد الخامس والملك الحسن الثاني طيب الله ثراهما، وتدبيرهما لمرحلة جد معقدة من تاريخ المغرب، سواء على مستوى التحرير والاستقلال في أوج الحرب العالمية الثانية وبداية الحركات التحررية والحريات بإفريقيا وتنافس الإيديولوجيات، أو على مستوى البناء الداخلي للدولة المغربية الحديثة.

إن إعادة شريط أحداث حقبة الملك محمد الخامس رحمة الله عليه، تجعلك أمام ملك عظيم أحب شعبه ودافع عنه بكل قوة ونُفي مع أسرته الكريمة من أجله، فبادله الشعب بقدر كبير من الحب والولاء حتى أن العديد من المواطنين شاهدوه في القمر ليلة وفاته في العاشر رمضان 1380 موافق لـ 26 فبراير 1961.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى