الرأي | الفضيحة الديبلوماسية التي جعلت ترامب يطرد سفير جنوب إفريقيا

كان قرار طرد سفير جنوب افريقيا Ebrahim Rasool بالولايات المتحدة الامريكية يوم 15 مارس الجاري و اعتباره “شخص غير مرغوب فيه”، إحدى محطات الصراع و التراشق القوية بين إدارة ترامب 2.0 وحكومة بيرتوريا، خاصةً بعد تصريحات السفير يوم الجمعة بأن الرئيس ترامب انتخبه السكان البيض مخافة أن يصبحوا أقلية في أمريكا، مما فُسـر بأنه توجه عنصري ويحرض على الكراهية ضد الرئيس ترامب و أمريكا.
وقد ذهب بعض المراقبين الى أن قرار طرد ديبلوماسي جنوب افريقيا يعود أساسا الى سياسة حكومة حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم التي تقترب وتتودد لكل خصوم أمريكا كالصين وايران وروسيا بالإضافة إلى ترافعها أمام محكمة الجنايات الدولية ضد إسرائيل.
فيما مال البعض الآخر الى أن مصادقة حكومة بريتوريا في يناير الماضي على تمديد قانون نزع الملكية بدون تعويض، قد يكون أقرب إلى منطق الطرد المبني على العنصرية و كراهية أمريكا، خاصةً إذا علمنا أن 75% من الأراضي هي ملك للسكان البيض الذين يمثلون 7% من السكان أي حوالي 4.5 مليون نسمة، وقد تمت المصادقة على تمديد هذا القانون الذي ورثه حزب المؤتمر الوطني الحاكم منذ فترة نيلسون مانديلا ـ أقول ـ أن المصادقة تمت بدون موافقة حزب التحالف الديمقراطي ( وسط اليمين ) المحسوب على السكان البيض، مما جلب تعاطف ومساندة اليمين في أوروبا وأمريكا.
أكثر من هذا فقد عجلت عدة تقارير صادرة عن AfriForum بتكوين صورة واضحة عن الميز العنصري والكراهية التي تتبناها حكومة Cyril Ramaphosa وتهديد الضيعات والمقاولات الفلاحية المملوكة للبيض، فإحدى التقارير مثلًا تتحدث عن استهداف 300 ضيعة فلاحية سنة 2023 و موت 49 من السكان البيض نتيجة أحداث عنف، كما سجلت ذات التقارير عن وقوع 75 حالة وفاة يوميا سنة 2023، وهذا ما يبرر تدوينة ترامب المرحبة بكل الفلاحين مع أسرهم الراغبين في الهروب من جنوب أفريقيا لأسباب أمنية مع العمل على تسريع مسطرة تجنيسهم.
كما أرجعت نفس التقارير سبب رفض حكومة بريتوريا للترخيص لشركة ايلون ماسك Starlink “بأنه أبيض”، عندها خرج إيلون ماسك ذو أصل جنوب افريقي في منصة X يقول ان سبب رفض الترخيص له “أنه غير أسود”.
لكن هل تستطيع حكومة جنوب إفريقيا تحمل الكلفة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، لكل العقوبات الأمريكية ؟ وهل ستتحمل حليفتها الجزائر بسد العجز المالي في إطار التضامن ؟ وهل يسير حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الحاكم بجنوب إفريقيا نحو أزمة سياسية قد تدعو لانتخابات مبكرة، وتعويضه بالتحالف الديمقراطي ؟
أعتقد بوجود سياقات سياسية وأيديولوجية معينة دفعت بالاعتقاد أن دولة جنوب إفريقيا تستحق أن تكون الأولى في حجم الاستثمارات الخارجية، والاولى في تلقي الإعانات وبرامج المساعدات وتسهيلات في منح القروض من طرف المؤسسات المالية العالمية.
في حين تقودنا لغة المنطق الى أن الحزب الحاكم وظف سيئات نظام الأبارتايد وسجن نيلسون مانديلا كقصة ملهمة للمقاومة والحرية، ورأسمال وحيد للحزب الحاكم ببريتوريا. هذا في الوقت الذي تزخر فيه القارة الافريقية بالعديد من القادة العظماء إبان الاستعمار وفي مقدمتهم السلطان محمد الخامس والسنغالي ليوبولد سنغور وتوماس سانكارا والغاني كوامي نكروما وغيرهم كثير، وحتى قبل ميلاد دولة جنوب افريقيا سنة 1994، إذ يسجل التاريخ اعتراف نيسلون مانديلا في تجمع كبير بدور الملك الراحل الحسن الثاني في تحرر جنوب افريقيا من العبودية واستقباله للدكتور عبد الكريم الخطيب رحمه الله في ابريل سنة 1995 المكلف من طرف العاهل المغربي بتقديم السلاح و الدعم المالي لحركة مانديلا.
وقد أجازف بالقول أن جنوب افريقيا أُريد لها أن تكون قوية رغم أنف الجميع بقوة صفقات سياسية وإقتصادية وبغطاء إعلامي وسينمائي وفني كبير، لأن لغة الأرقام والواقع تقول بغرق سكان جنوب أفريقيا في الظلام بدون كهرباء لساعات طويلة في اليوم وارتفاع معدلات البطالة والفقر والجريمة والعصابات المنظمة والرشوة وبفساد نخب الحزب الحاكم منذ 1994.
اليوم تجد جنوب إفريقيا نفسها أمام امتحان سياسي كبير بمقاطعة وزير الخارجية الأمريكي “ماركو روبيو” اجتماع G20 المنعقد بجوهانسبرغ يومي 20 و21 من اكتوبر الماضي وطرد السفير لنفس الأسباب أي التسويق للكراهية ضد ترامب وأمريكا، بالاضافة لعقوبات مالية أكبر، فقد وقع الرئيس ترامب “أمرا تنفيذيا” بإيقاف المساعدات المالية لجنوب افريقيا، ويكفي التذكير أنه في سنة 2023 توصلت بريتوريا ب 440 مليون دولار خصصت لبرامج محاربة السيدا حيث يصل رقم المصابين إلى 7 ملايين مصاب، وتوقيف هذه المساعدات يعني الإضرار ببرنامج محاربة السيدا و فقدان 15 ألف منصب شغل.
تداعيات وقف المساعدات الامريكية تهدد حوالي 4 مليار دولار من الصادرات بتسعيرات تفضيلية African Growth and Opportunities Act ( Agora وهي الاتفاقية التي ستنتهي بنهاية هذا العام، كما تهدد قروض التنمية الاقتصادية سواء مع البنك الدولي أوصندوق النقد الدولي.
و تهدد أكثر من 20 مليار من المبادلات التجارية، في مجالات الفلاحة و المال و السيارات.
يقول البعض ان البديل أمام Cyril Ramaphosa هو مجموعة البريكس، لكنها فرضية ضعيفة في ظل التقارب الروسي / الأمريكي حول إيقاف الحرب في أوكرانيًا.
بالمناسبة لم نسمع صوت دولة العالم الآخر و قوتها الضاربة لانقاذ حليفها من وحل العنصرية والكراهية أو تقديم خراطيم الغاز والبترول كقربان للعفو عن حكومة جنوب افريقيا.



