الرأي

الرأي | المثقفون والمفكرون.. صمام أمان أم معاول هدم ؟

بقلم: عزيز مطيع

    في المجتمعات الحديثة، يشكل المثقفون والمفكرون نواة الوعي العام، إذ يسهمون في تشكيل الرأي العام وتوجيه الشعوب نحو النهضة والتقدم، كما يعملون على تقويم السياسات وتنبيه الحكومات إلى مكامن الخلل، لكن في كثير من الدول العربية، تحول المثقف من شريك في بناء الدولة إلى عدو داخلي، بسبب التهميش أو القمع أو الإقصاء الممنهج.

لقد شهدت العقود الأخيرة تحولات كبيرة في علاقة الدول العربية بمثقفيها، ففي حين أدركت بعض الحكومات أهمية احتواء هذه النخبة والاستفادة من رؤاها في التنمية والاستقرار، اتجهت دول أخرى إلى تهميشهم أو محاربتهم، مما أدى إلى نتائج كارثية على الاستقرار السياسي والاجتماعي، بل وأدى في بعض الحالات إلى تفكك الدول نفسها، فما هو دور المثقف في حماية الوطن؟ وكيف يتحول إلى عنصر استقرار أو عامل اضطراب ؟

المثقف بين التوجيه السياسي والاستبعاد القسري

تتمة المقال تحت الإعلان

    المثقف ليس مجرد أكاديمي أو كاتب، بل هو حامل مشروع فكري يهدف إلى تطوير المجتمع، سواء عبر النقد البناء أو المشاركة في رسم السياسات العامة، ففي الدول التي تحتضن مثقفيها، تتحول هذه الفئة إلى جسر بين الدولة والشعب، أما في الدول التي تقصيهم، فإنهم يصبحون أصواتا ناقدة قد تتحول لاحقا إلى قوى معارضة شرسة، تهدد استقرار النظام نفسه، وأسلحة فتاكة بيد أعداء الوطن نفسه.

تتمة المقال تحت الإعلان

المغرب.. نموذج الاحتواء المرن للمثقفين

    في المغرب مثلا، اعتمدت الدولة نهجا أكثر مرونة مع المفكرين والمثقفين، حيث أتاحت لهم مساحات للنقاش والمشاركة في الحياة العامة، كما فسحت لهم المجال للمشاركة والمساهمة في برامج الدولة ومشاريعها المختلفة، من خلال وضعهم في مراكز القرار بإداراتها المختلفة، لتستفيد من تجاربهم الفكرية والعلمية من جهة، وكذا شغلهم وخلق متنفس لهم لإبراز مؤهلاتهم، باستثناء بعض القطاعات التي حادت عن التوجه العام للدولة، وأقصت نماذج من مفكريها وأطرها، والشاذ لا يقاس عليه، إذ العام والمعمول به هو احتواء تلك النخب الفكرية وإشراكها في التنمية والإدارة، بدلا من محاصرتهم أو تهميشهم، فشخصيات مثل عبد الله العروي ومحمد عابد الجابري وطه عبد الرحمن، لعبت دورا كبيرا في بلورة فكر سياسي حديث يتجاوز الثنائية التقليدية بين الحداثة والتقليد، ويساهم في خلق خطاب فكري معتدل يحافظ على استقرار الدولة.

تونس.. من الثورة الفكرية إلى الإقصاء والسجون

    وفي تونس، التي كانت في 2011 رمزا لحرية التعبير والتعددية الفكرية، تعيش اليوم مرحلة جديدة من الاستقطاب الحاد بين السلطة والمثقفين.. فبعد الثورة، ظهر عدد من المثقفين حاولوا لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، مثل يوسف الصديق، وعبد اللطيف المكي، وصلاح الدين الجورشي، لكن مع تغير المزاج السياسي وتراجع مساحة الحرية، بدأ بعض هؤلاء المثقفين يجدون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع السلطة، وأحد أبرز الأمثلة الحديثة هو جواد الحمدوني، الصحفي والمفكر الذي اعتُقل بسبب آرائه النقدية حول توجهات الحكومة، ما يسلط الضوء على كيف أن تونس انتقلت من فضاء منفتح إلى دولة تعاني من عودة أساليب الإقصاء السياسي.

حين يصبح المثقف معول هدم.. هل المعارضة الفكرية تهدد الاستقرار ؟

    إن الدولة التي تعزل مثقفيها تخلق أعداء داخليين أكثر خطورة من أي تهديد خارجي، فالمثقف، بخلاف السياسي، لا يعتمد على القوة، بل على التأثير الفكري، مما يجعل محاربته أمرا ذا عواقب وخيمة، وفي العديد من الدول العربية، أدى قمع المثقفين إلى تحولهم إلى رموز معارضة، وأحيانا إلى أدوات وأسلحة فتاكة يستخدمها خصوم الدولة لتقويض استقرارها، وأخذ شهادات وتقارير عما يقع بداخلها من ممارسات توظف ضدها في المنظمات الدولية من طرف أعدائها.

السودان.. تهميش المفكرين وإفراز الفوضى السياسية

    السودان خير مثال لدولة لم تستوعب نخبتها المثقفة، بل عمدت على مدى عقود إلى تهميشها أو قمعها، ما أدى إلى حالة من الفوضى السياسية، فشخصيات مثل عبد الله علي إبراهيم وحيدر إبراهيم والصادق المهدي، حاولت تقديم رؤى فكرية للخروج من الأزمات، لكن تم إقصاؤهم لصالح نهج سلطوي لم يعط أي اعتبار للفكر النقدي، فكانت النتيجة انزلاق السودان في أزمات سياسية متكررة، فبينما غادر بعض المثقفين البلاد بحثا عن فضاء حر، انخرط آخرون في العمل السياسي أو الإعلامي، ليجدوا أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع السلطة، ما جعل السودان واحدة من أكثر الدول العربية اضطرابا سياسيا.

كيف يمكن احتواء المثقفين بدلا من خسارتهم ؟

    إن الدول التي تنجح في خلق بيئة فكرية صحية هي التي تستوعب مثقفيها بدل قمعهم، ولنا خير مثال في التجربة المغربية التي تقدم نموذجا ناجحا نسبيا في هذا الإطار، حيث تعتمد الدولة على نموذج الحوار الوطني بدلا من القمع المباشر، وهو ما جنب المغرب الكثير من الأزمات التي عاشتها دول أخرى، كما أن أغلب الإدارات العامة تستوعب وتحتوي النخب الفكرية والعلمية التي تكون تابعة لها وتوليهم العناية والمكانة التي يستحقونها بشكل يجعلهم يسهمون في بناء الدولة وتطوير تلك الإدارة والبقاء تحت سيطرة النظام، يدافعون عن إيديولوجيته وتوجهه، مع تسجيل حالات نادرة شاذة لبعض القطاعات التي دخلت في صدامات مع بعض النخب الفكرية، مما دفع تلك النخب إلى خلع قميص الوطنية وحمل معاول الهدم.

كما أن إشراك المثقفين في صياغة السياسات، يساعد في تقليل الفجوة بينهم وبين السلطة، ما يحد من تحولهم إلى معارضين متطرفين.. ففي بعض الدول، يتم ذلك عبر مراكز الفكر والدراسات التي تمنح المثقفين دورا استشاريا في قضايا الأمن والاستقرار، أو وضعهم دائما في مراكز القرار بإداراتهم الوظيفية.

فمنح المثقفين مساحات للتعبير دون قيود تعسفية يسهم في تفريغ الاحتقان السياسي، ويمنع تحول المثقفين إلى أدوات بيد القوى الخارجية في إطار ما يعرف بحرية التعبير المنظمة، وليس المنفلتة، مما يساهم في خلق بيئة فكرية صحية تحمي الاستقرار بدل أن تهدده، فالمثقفون سلاح ذو حدين، إما أن يكونوا قاطرة لتقدم الدول، أو يتحولوا إلى معاول هدم إذا تم تهميشهم وإقصاؤهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى