الرأي

الرأي | كيف تحول الرأي العام الفرنسي إلى مساند لقضية الصحراء

بقلم: عبده حقي

    أصبح الرأي العام في فرنسا بشكل متزايد عاملا مهما في تشكيل معالم العلاقة بين فرنسا والمغرب العربي، وخاصة فيما يتعلق بالمملكة المغربية وسيادتها على الصحراء، وقد كشف استطلاع للرأي حديث أجرته مؤسسة Ifop-Fiducial لإذاعة راديو الجنوب، عن تحول ملحوظ في تصور الشعب الفرنسي في هذا الموضوع، حيث يؤيد 64 % مطالب المغرب بصحرائه الغربية، ودعا هذا الكشف إلى استكشاف متعمق للأثار الأوسع على العلاقات الفرنسية المغاربية، والجغرافيا السياسية الإقليمية، ودور المشاعر العامة في السياسة الخارجية الفرنسية.

تشير نتائج الاستطلاع إلى أن السيادة المغربية على الصحراء تحظى بموافقة واسعة النطاق بين الشعب الفرنسي، من مختلف الانتماءات السياسية، والجدير بالذكر أن 75 % من أنصار النهضة وجزء كبيرا من الناخبين من يمين الوسط، أعربوا عن دعمهم لمخطط الحكم الذاتي الذي اقترحه المغرب منذ سنة 2007.

ويؤكد هذا الإجماع الواسع النطاق، النادر في مشهد سياسي مستقطب، على الصدى الإيجابي لموقف المغرب، ويتماشى هذا الاتجاه مع نمط واسع من التصورات الإيجابية للمغرب، حيث يحمل 68 % من المستجوبين الفرنسيين وجهات نظر إيجابية عن المغرب الأقصى، وعلى النقيض من ذلك، فإن أداء الجزائر أصبح ضعيفا في محكمة الرأي العام، حيث ينظر إليها 29 % فقط من المستجوبين بشكل إيجابي.

تتمة المقال تحت الإعلان

ولفهم هذا الاختلاف الواضح، يجب على المرء أن يتعمق في الأسس التاريخية والجيوسياسية للعلاقات الفرنسية المغاربية بشكل عام، فلا شك أن صورة المغرب كشريك مستقر وموجه نحو الإصلاح في المنطقة، عززت مكانته بين الشعب الفرنسي، كما عملت التحالفات الاستراتيجية للمملكة والدبلوماسية الثقافية والعلاقات الاقتصادية مع فرنسا، على تعزيز تصور المغرب كحليف موثوق به ومتطلع إلى المستقبل، وتسلط بعض الكتب مثل “المغرب والصحراء الغربية: الحرب والقومية وعدم حل الصراع” لجاكوب موندي، الضوء على مهارة وحكمة المغرب في التعامل مع التحديات الإقليمية مع الحفاظ على شراكات دولية قوية، وعلى النقيض من ذلك، تظل علاقات الجزائر مع فرنسا محفوفة بالمظالم التاريخية والتفاوتات الاقتصادية والتوترات السياسية، وتساهم هذه الديناميكيات في التباين الصارخ في المشاعر العامة التي كشف عنها الاستطلاع.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن إلقاء نظرة فاحصة على تشكيك الشعب الفرنسي تجاه الجزائر، يكشف عن رواية متعددة الأوجه، حيث يعتقد 74 % من المستجوبين أن الجزائر تستفيد من العلاقات الثنائية أكثر من فرنسا، مما يعكس تصورا لعدم التماثل في التبادلات الاقتصادية والسياسية، وقد ظل هذا الشعور ثابتا بشكل لافت للنظر منذ استطلاع مماثل أجري في العام 1971، مما يشير إلى إحباطات عميقة الجذور تتجاوز الانقسامات بين مختلف الأجيال، وعلاوة على ذلك، يؤيد 61 % من المستجوبين إلغاء اتفاقية 1968، التي تمنح الجزائريين امتيازات خاصة في لم شمل الأسرة، والحركة بين الضفتين، والعمليات التجارية في فرنسا، وتشير هذه النتائج إلى قلق متزايد إزاء ما يُنظر إليه على أنه نفوذ غير متناسب للجزائر في العلاقات الثنائية.

وتساهم الاعتبارات الاقتصادية في تشكيل تصورات الفرنسيين للجزائر، ويعتقد 60 % من المستجوبين أن الجزائريين المقيمين لا يساهمون بشكل كبير في الاقتصاد الفرنسي، وهو الشعور الذي تصاعد 54 % في العام 1994، وهذا الاتجاه واضح بشكل خاص بين الفئات العمرية الأكبر سنا، حيث أعرب 71 % من المستجوبين الذين تتراوح أعمارهم بين 65 عاما وما فوق، عن هذا الرأي. تعكس مثل هذه المواقف مناقشات على أوسع نطاق حول الهجرة والتكامل الاقتصادي والهوية الوطنية في فرنسا المعاصرة.. لقد وثق علماء مثل بنيامين ستورا، المؤرخ الرائد في العلاقات الفرنسية الجزائرية، الإرث الدائم للاستعمار والديناميكيات الاجتماعية والاقتصادية المعقدة التي لا تزال تؤثر على الخطاب العام.

ومن المثير للاهتمام، أن الاستطلاع سالف الذكر يكشف عن انقسام سياسي مذهل في تصورات الجزائر.. ففي حين تنظر أغلب المجموعات السياسية الفرنسية إلى الجزائر بشكل سلبي، فإن أنصار حزب “فرنسا الأبية” اليساري المتطرف يشكلون استثناء، حيث أعرب 58 % عن آراء إيجابية، ويعكس هذا الشذوذ الموقف الإيديولوجي للحزب فيما يتعلق بمناهضة الإمبريالية، والتضامن مع الدول ما بعد الاستعمارية، وانتقاد الدور التاريخي لفرنسا في الجزائر، ومع ذلك، فإن وجهة النظر الأقلية هذه، لا تعني الكثير لتغيير الاتجاه الشامل للتشكيك تجاه الجزائر بين الشعب الفرنسي.

إن أثار هذه النتائج تمتد إلى ما هو أبعد من الرأي العام، إلى عالم السياسة الخارجية، ويبدو أن اعتراف فرنسا بالسيادة المغربية على الصحراء، يتماشى بشكل متزايد مع المشاعر العامة، وكما زعم المنظر السياسي روبرت بوتنام، في عمله الرائد: “الدبلوماسية والسياسة الداخلية: منطق الألعاب ذات المستويين”، فإن الرأي العام غالبا ما يعمل كبوصلة حاسمة على صناع السياسات، ويشكل مجموعة من الإجراءات الدبلوماسية الجاهزة للتطبيق، وفي هذا السياق، فإن الدعم القوي للمغرب من الشعب الفرنسي من شأنه أن يؤثر على موقف فرنسا بشأن قضية الصحراء، مما يعزز انحيازها التام إلى الرباط.

في نهاية المطاف، يسلط الاستطلاع الضوء على لحظة محورية في العلاقات الفرنسية المغاربية، والتي تميزت بالتوافق المتزايد مع المغرب والتوترات الدائمة مع الجزائر، ذلك أن الرأي العام الفرنسي باعتباره مقياسا للمواقف المجتمعية، يعبر عن رؤى قيمة حول الديناميكيات المتطورة لهذه العلاقات، وبينما تبحر فرنسا في دورها الإيجابي مع المغرب، من المرجح أن تلعب أصوات مواطنيها دورا متزايد التأثير في تشكيل معالم سياستها الخارجية ومشاركتها الإقليمية.

إن موجة المشاعر العامة مثل الرمال المتحركة في الصحراء الكبرى، تكشف عن مشهد متغير، حيث يتقارب التاريخ والسياسة والرأي العام لتشكيل المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى