الرأي

الرأي | الثقافة والسياسة.. جدلية التأثير ورهانات العصر

بقلم: ذ. الحسن العبد

    الثقافة والسياسة مرتبطتان ارتباطا وثيقا، حيث تؤثر كل منهما في الأخرى بشكل عميق ومستمر، فالثقافة تمثل الإطار الذي تنشأ فيه القيم والمبادئ والأفكار التي توجه حياة المجتمع، بينما السياسة هي الوسيلة التي تطبق بها هذه القيم والمبادئ على أرض الواقع لتحقيق النظام وإدارة شؤون المجتمع.

الثقافة تعتبر المصدر الأساسي للأفكار السياسية، إذ أن القيم الثقافية مثل الحرية، العدالة، المساواة، واحترام التنوع، تحدد طبيعة الأنظمة السياسية التي تنشأ في المجتمع، وتؤثر السياسة على الثقافة من خلال القوانين والتشريعات والسياسات العامة، التي قد تعزز بعض القيم الثقافية أو تحجمها، وبعبارة أخرى، الثقافة هي “البيئة الفكرية” التي تنشأ فيها السياسة، والسياسة هي الأداة التي تحاول ترجمة هذه البيئة إلى قرارات ملموسة تؤثر على الأفراد والجماعات.

والمثقف السياسي هو الشخص الذي يمتلك معرفة عميقة وثقافة واسعة في القضايا السياسية والاجتماعية، ولكنه لا يشترط أن يكون منخرطا بشكل مباشر في العمل السياسي، فهو يعتبر بمثابة المفكر الذي يحلل الواقع وينتقده، ويقترح رؤى وتصورات تُثري الساحة السياسية، دوره يكون غالبا توجيهيا، حيث يساهم في تشكيل الوعي السياسي للمجتمع أو السياسيين أنفسهم، بينما السياسي المثقف هو السياسي الذي يجمع بين الممارسة السياسية والثقافة الواسعة.. هذا النوع من السياسيين يكون على دراية بمفاهيم فلسفية واجتماعية وتاريخية، مما ينعكس على قراراته وممارساته في العمل السياسي.

تتمة المقال تحت الإعلان

بالمقابل، السياسي غير المثقف هو الشخص الذي يمارس السياسة دون امتلاك خلفية ثقافية أو فكرية كافية تؤهله لفهم تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي، وغالبا ما تكون قرارات هذا النوع من السياسيين سطحية، مؤقتة، وتفتقر للبعد الاستراتيجي، فهو يعتمد عادة على الممارسات الشعبوية أو القرارات الانفعالية، مما قد يؤدي إلى نتائج سلبية على المدى البعيد.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالمثقف السياسي يُلهم، والسياسي المثقف يُنفذ بوعي، والسياسي غير المثقف يُدير بجهل أو مصلحة شخصية.

في الماضي، كان المثقف السياسي في بلادنا يشغل دورا محوريا في صياغة الفكر السياسي وتوجيه العمل الحزبي، كما كان أحد ركائز التغيير والإصلاح. مثال على ذلك، المفكر محمد عابد الجابري في صفوف حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي جمع بين العمق الفكري والتزامه بقضايا المجتمع، وقد لعب الجابري وأمثاله أدوارا مهمة في تأطير العمل السياسي بالفكر، فالمثقفون السياسيون كانوا يساهمون في إدخال الفلسفة والقيم العميقة إلى العمل السياسي، مما جعل الأحزاب لا تقتصر على المصالح الانتخابية الضيقة، بل تقدم برامجا وأفكارا تعكس طموحات الشعب.

كان المثقف السياسي جسرا بين الحزب والجماهير، يثقف الشعب سياسيا ويعزز وعيه بحقوقه وواجباته، فالجابري مثلا، صاغ مشروعا مجتمعيا، حيث أسهم في طرح رؤى استراتيجية حول الديمقراطية، العدالة الاجتماعية، وإصلاح التعليم، مما جعل الحزب قوة فكرية وسياسية قادرة على التأثير، كما كان المثقفون السياسيون يملكون الجرأة في نقد الواقع حتى داخل أحزابهم، مما ساهم في تطورها الداخلي وتماسكها.

إن غياب المثقف السياسي اليوم في الأحزاب كارثة بكل المقاييس، فحاليا تشهد الساحة الحزبية غيابا ملحوظا للمثقف السياسي المؤثر، حيث أصبحت الأحزاب تعتمد بشكل أكبر على الحسابات الانتخابية والسياسات اللحظية بدلا من الاعتماد على رؤى فكرية بعيدة المدى، وهذا الغياب له العديد من السلبيات، إذ أصبح الخطاب السياسي سطحيا يفتقر للعمق الثقافي والطرح الفكري، فالأحزاب باتت تركز على الشعارات الشعبوية بدلا من تقديم مشاريع مجتمعية متكاملة.

وفي ظل غياب المثقف السياسي، تراجعت الأحزاب عن دورها التأطيري والتوعوي للمجتمع، مما أدى إلى اتساع فجوة الثقة بينها وبين المواطنين.

وبدون حضور المثقف السياسي، أصبحت الأحزاب مسرحا للصراعات الشخصية والبحث عن المناصب، بدلا من التركيز على المصلحة العامة.

فدور المثقف السياسي الفعال، كان جوهريا في تعزيز العمل الحزبي وربطه بقضايا المجتمع الكبرى، وغياب هذا الدور اليوم يجعل الأحزاب تفتقر للعمق والتأثير، مما يهدد قدرتها على مواكبة تطلعات الشعب وحل مشاكله بوعي ورؤية مستدامة.

ويبقى من الضروري عودة الثقافة للميدان السياسي، لأنه لا يمكن فصل السياسة عن الثقافة، خصوصا في عصر العولمة الذي أصبحت فيه الأفكار تنتقل بسرعة، وتشكل تحديات وفرصا للأمم، وكذا لتحقيق توازن بين الأصالة والحداثة، وتعزيز الفاعلية السياسية في مواجهة المتغيرات العالمية، فالعولمة فرضت واقعا جديدا على الدول والمجتمعات، حيث لم يعد بالإمكان الانعزال عن العالم أو تجاهل تأثيره، لذلك يجب أن تواكب السياسة هذا الواقع من خلال استيعاب ثقافة العصر، كإدماج قيم الانفتاح، الابتكار، والحوكمة الرشيدة، وفهم ديناميكيات العولمة، كالاستفادة من التعاون الدولي مع الحفاظ على المصالح الوطنية، وكذا تعزيز الحوار الثقافي بإدخال قيم التعددية والتسامح في الخطاب السياسي، مما يُثري التفاعل مع الثقافات الأخرى، لكن بالحفاظ على الخصوصية الثقافية.. ففي خضم الانفتاح العالمي، تظل الخصوصية الثقافية ركيزة أساسية للسياسة، فالثقافة تعبر عن هوية الشعوب وقيمها التاريخية، وهو ما يجعل الحفاظ عليها ضرورة استراتيجية، كما يجب دمج التراث في السياسات الحديثة، بحيث تصبح الخصوصية الثقافية عامل قوة في المفاوضات والعلاقات الدولية.

وكذا حماية اللغة والهوية، من خلال قوانين تُعزز استخدام اللغة الوطنية وحماية الإرث الثقافي، وتعزيز التعليم الوطني لتنشئة جيل قرآني قادر على التفاعل مع العالم دون فقدان هويته، ففي ظل التأثير الثقافي العالمي، يجب توظيف الأنترنيت لإبراز الثقافة الوطنية عالميا، من خلال الفن، والأدب، والمشاريع الرقمية.

إن عودة الثقافة إلى الميدان السياسي، خاصة ثقافة العصر المرتبطة بالعولمة، يجب أن تكون مدعومة برؤية تراعي التوازن بين الانفتاح العالمي والخصوصية الثقافية، ثم إن ربط الثقافة بالأنترنيت والتقنيات الحديثة، هو السبيل لبناء نموذج سياسي حديث قادر على التأثير محليا ودوليا، مع الحفاظ على الهوية الوطنية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى