الرأي | النقد في المغرب.. من التجارب الفردية إلى مدرسة نقدية متكاملة

بقلم: بنعيسى يوسفي
إذا كان الفضل كل الفضل في التأسيس للحداثة الشعرية في المغرب يعود إلى ثلة من الأساتذة الجامعيين الذين كانوا أساتذة متخصصين في الأدب والنقد واللغة، وكانوا على دراية وافية بالأدب شعره ونثره ونظرياته وأجناسه وصنعته وآلاته، فإن الفضل أيضا يعود في النقد عامة والنقد الروائي خاصة، إلى الجامعة المغربية، حيث ترعرع هذا النقد فيها منذ منتصف الستينات من القرن الفائت، على يد لفيف من النقاد منهم على سبيل الذكر لا الحصر أحمد اليبوري، ومحمد برادة، وأحمد المجاطي، وحسن المنيعي، وإبراهيم السولامي، ومنذ ذلك الحين صارت الجامعة المغربية مصدر أهم الإصدارات والتأليفات النقدية على مستوى الرواية بالتحديد، التي شهدت هي الأخرى في تلك المرحلة طفرة نوعية وانتعاشة ملحوظة، ولم تكن الجامعة المغربية حاضنة لهؤلاء النقاد وحسب، بل ساهمت في نشر كتبهم النقدية، قبل أن تجد كتاباتهم بعد ذلك طريقها نحو الجرائد وأرقى المجلات، محلية وعربية، ومن ذلك التاريخ بدأت تتبلور تجربة نقدية مغربية محايثة لكل الإبداعات الروائية التي تخرج إلى الوجود، وأمسى النقد الأدبي باعتباره فاعلية، غير منفصل عن كل العناصر الأخرى المشكلة للمشهد الثقافي وديناميته حاضر بثقله بمناهجه ومفاهيمه المؤصلة، خاصة حينما يكون النص الإبداعي حاملا لأسئلة فنية جديدة ورؤى متفاعلة تحقق حوارا وصراعا بين الأفكار، وزاد هذا النقد نضجا حينما ارتبط بما عرفه النقد الأوروبي والفرنسي بشكل خاص من تطور، وانتعش واغتنى بشكل مطرد في ظل تطور السرد المغربي، وعرف أشكالا واتجاهات مع ثلاثة أجيال من النقاد يستكملون التجربة النقدية وعملوا على بنائها إن على مستوى تمثل المناهج والمفاهيم، أو ما تقدمه من تحليلات وتأويل، لكن يبقى ما يسترعي الانتباه حقيقة ويطرح معه السؤال، هو أنه رغم كل ما راكمه النقد الروائي في المغرب على مدار أكثر من نصف قرن من تجربة كمية ونوعية ومن اجتهادات كبيرة ومن تأثير واضح بالتوجهات الغربية في هذا المجال، لماذا لم يستطع هذا النقد إرساء أو التأسيس لمدرسة مغربية قائمة الذات ؟
يبدو هذا السؤال شائكا، والجواب عنه تتداخل فيه الكثير من المعطيات والخلفيات والمحددات والسياقات، فهل الأمر يعود إلى انكفاء النقاد المغاربة وحتى العرب في هذا السياق عن ابتداع مدرسة نقدية خاصة بهم، وتبعيتهم للغرب في هذا المجال لا يمكن عزلها عن باقي المجالات الأخرى الفكرية والشعرية والفلسفية بالخصوص، أم أن المدة الزمنية التي ظهر فيها النقد في المغرب إلى اليوم غير كافية لاستنبات شروط ومواصفات ومقومات مدرسة نقدية محلية خالصة، أم أن الإشكال يكمن في أن جل النقاد العرب والمغاربة جبلوا على استثمار واستهلاك الجاهز دون أن يدفعهم ذلك إلى الانتفاض وابتكار أساليب جديدة تحمل بصمتهم، ويمسون بذلك وكأنهم رجع صدى للتجارب الغربية الغنية في مجالات الفكر والإبداع المتعددة ؟
لذلك، وباستحضار كل هذه الأسئلة، تبدو كل الكتابات النقدية في المغرب عبارة عن تجارب فردية يعمل كل ناقد على إغنائها وإثرائها بمجهوداته الشخصية، وفي أفضل الأحوال يمكن أن نتحدث عن مشاريع نقدية مغربية، سواء في الرواية أو القصة أو المسرح، وقس على ذلك، ونحن هنا نتحدث في مجال الكتابة النقدية التي قضى فيها أصحابها فترات طويلة راكموا خلالها مؤلفات عديدة وطوروا تصورهم انطلاقا من مفاهيم وتحليلات نصية، ولا نتحدث عما يمكن اعتباره متابعات أو خواطر لا تنتظم منهجيا ضمن إطار أو سياق، وفي حقيقة الأمر وحتى إن لم يتأت للنقد المغربي تشكيل مدرسته الخاصة به على اعتبار أن الأمر معقد ويتطلب اختمار ظروف معينة، فإن هذا لا يمنع من القول أن المشاريع النقدية في مجال الرواية بالتحديد، تحقق حضورا لافتا مع نقاد مغاربة أنجزوا أعمالا أساسية قدمت اجتهادات أصبحت اليوم مدار قراءة ومرجعا للدارسين، وهو ما يمكن أن يقربنا إلى ما قد نصطلح عليه بـ”أكبر من المشروع وأقل من المدرسة” في أفق بناء هذه المدرسة بالمواصفات والمقاييس المعروفة، التي يظهر من خلال تبني مجموعة من النقاد لمشروع واحد يشتغلون في أفقه، أننا نقترب من هذه المدرسة التي أصبح الطموح إليها مشروعا، لكن ما يدعو إلى الخشية في هذا الصدد، هو هل يمكن أن تستمر هذه المجموعة أو تلك على نفس النهج؟ وأي أفق زمني لذلك؟ هذا دون أن نغفل قضية الخلف، حيث يبدو أن المؤسسين – على قلتهم – قد بلغوا من العمر عتيا، وسيكون من المؤسف أن يرحلوا دون أن يتركوا خلفا قادرا على حمل المشعل من جهة، ودون تحقيق حلمهم المتمثل في التأسيس لمدرسة نقدية مغربية صرفة، وهل يكفي أن نتحدث عن مستقبل مشرق للنقد المغربي من منطلق أن أغلب أساتذة الرواية والمناهج في الجامعة المغربية هم طلبة للكثير من النقاد الرواد، وبالتالي لا خوف على النقد، فهؤلاء يمكن أن يكملوا المهمة على الوجه الأكمل، خاصة وأنهم في احتكاك يومي في تدريسهم في الجامعة مع كثير من مؤلفات هؤلاء، لا سيما الناقد أحمد اليبوري، الذي لا زالت مؤلفاته تدرس في الجامعة منذ ثمانينيات القرن الماضي ؟



