الرأي

الرأي | إصدار الأحكام وإشكالية الامتناع عن التنفيذ

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    نص القانون الوضعي وفي طليعته القوانين الدستورية، على احترام ما يصدر عن القضاء من أحكام نهائية، وهي أحكام ملزمة للجميع تطبق دون مراعاة لأي وضع أو مكانة اجتماعية، فالناس أمام القانون سواسية، ومن تلك الدساتير دستور 2011، حيث جاء في الفصل 125 أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع، وجاء في الفقرة الثانية من ذلك الفصل أن الأحكام يجب أن تنفذ بواسطة السلطات العمومية وتقديم المساعدة اللازمة أثناء المحاكمة إذا صدر إليها الأمر بذلك، ويجب عليها تقديم المساعدة ليمكن تنفيذ الأحكام، أي أن السلطات العمومية تستعمل كل وسيلة بما فيها الإجبار والقهر لتنفيذ الحكم ما دامت الأحكام تنفذ باسم الملك وطبقا للقانون، وهذا التوجه الصارم أكدته الصيغة التنفيذية المنصوص عليها في الفقرة الأخيرة من الفصل 433 من قانون المسطرة المدنية: ((يأمر جلالة الملك جميع الأعوان ويطلب منهم أن ينفذوا الحكم المذكور، كما يأمر الوكلاء العامين للملك ووكلاء الملك لدى مختلف المحاكم، أن يمدوا يد المعونة لجميع قواد وضباط القوة العمومية وأن يشدوا أزرهم عندما يطلب منهم ذلك قانونا)).. فهل يقبل أي عذر أو تباطؤ أو تقاعس أو تخاذل عن تنفيذ الأحكام بأمر من جلالة الملك؟ ألا يعد ذلك عصيانا لتلك الأوامر؟

ففي الخطاب الملكي لـ 17 يونيو 2011، وهو يمثل ديباجة دستور سنة 2011، جاء في المحور السابع النص على ترسيخ سلطة قضائية مستقلة عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، وعلى أن النطق بالحكم إن كان يتم باسم الملك فإنه يتعين أن يصدر بناء على القانون، وفي نظرنا، ما نص عليه قانون المسطرة المدنية في موضوع تنفيذ الأحكام، فإن القاضي يفتتح الجلسة بقوله: “باسم جلالة الملك وباسم القانون” ليسمع الحاضرون في قاعة الجلسة مدى قوة وإلزامية الحكم الذي سيصدر عن القاضي المكلف بسير القضية والحكم فيها.

ورغم ما ذكر، فإن أغلب الأحكام لا تنفذ ويقع الامتناع عن تنفيذها بعلل واهية، بل باحتقار السلطة القضائية والاستهتار بأحكامها، ولا ينفذ الحكم رغم كون مأمور إجراءات التنفيذ يكون معززا بالقوة العمومية، ويكتفي مأمور الإجراءات بتحرير محضر الامتناع ويحفظ الملف، ويصعب تطبيق مقتضيات الظهير المتعلق بتطبيق الإكراه البدني إذا كان سن المحكوم عليه قد بلغ 60 سنة، ومما يزيد الطين بلة، أن بعض الجهات تمتنع عن إعطاء معلومات عن الذمة المالية للمحكوم عليه، وتمتنع بدون مبرر أو عدم تفهم لمقتضيات الفصل 27 من الدستور، الذي ينص على أن للمواطنين حق الحصول على المعلومات الموجودة في حوزة الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة والهيئات المكلفة بمهام المرفق العام، وأمام هذا العصيان الذي يمس مكانة وحرمة من تصدر الأحكام باسمه، فإن الممتنع عن تنفيذ الحكم يمنع مأمور الإجراءات والمساعدين من الدخول للمنزل للقيام بمسطرة حجز المنقولات تطبيقا لمقتضيات الفصل 445 من قانون المسطرة المدنية، الذي ينص على مباشرة التنفيذ أولا على الأموال المنقولة، وتحرير محضر بكفايتها أو عدم كفايتها، لأداء المستحقات المحكوم بها، ليمكن بعد ذلك أن يجري التنفيذ على الأموال العقارية، وأمام العصيان يصبح من اللازم تطبيق مقتضيات الفصل 300 من القانون الجنائي، ويفهم من سياقه أن العنف ضد السلطة أو القائمين بتنفيذ القوانين أو النظم أو أحكام القضاء أو قراراته أو الأوامر القضائية يعتبر عنفا، والتهديد بالعنف يعتبر مماثلا للعنف نفسه، وعقوبة العصيان نص عليها الفصل 301 من القانون الجنائي إذا صدر العنف من شخص واحد وتكون العقوبة هي الحبس من شهر إلى ستة أشهر والغرامة من ستين إلى مائة درهم، والمشرع لم يقم بتعريف العنف، لذلك فهو يشمل جميع أنواعه، فقد يكون بالقوة، أو بالتهديد، أو بالإشارة، ومن ذلك أن غلق الباب في وجه مأمور إجراءات التنفيذ ومن معه يشكل عنفا ومنعا من الدخول للقيام بالمهمة المكلف بها المأمور بتعليمات من النيابة العامة التي تسهر على تنفيذ المقررات القضائية تطبيقا للفقرة الأخيرة من المادة 37 من قانون المسطرة الجنائية، ونضيف إلى ذلك ما نصت عليه الفقرة 2 من الفصل 266 من القانون الجنائي، والتي وردت فيها الأفعال أو الأقوال أو الكتابات العلنية التي يقصد منها تحقير المقررات القضائية ويكون من شأنها المساس بسلطة القضاء أو استقلاله.

تتمة المقال تحت الإعلان

وجاء في الفصل 50 و433 من قانون المسطرة المدنية أن الأحكام تصدر باسم جلالة الملك، أي أن السلطة القضائية هي سلطة ملكية يمارسها الملك من خلال وبواسطة القضاة الذين هم نواب مباشرون عنه، فعندما يصدر القاضي قرارا مذيلا باسم الملك، فإن هذا القرار يعتبر قد صدر عن الملك شخصيا، فالقضاء في المغرب من وظائف الإمامة، لهذا، فإن كل من امتنع عن تنفيذ حكم ولو كان وزيرا، فإنه يكون قد خالف وتمرد على أمر مولوي ويتعين متابعته أمام المحكمة المختصة حتى يكون عبرة لغيره من المتنطعين الذين يشتغلون حسب مزاجهم لا حسب ما يجب أن يكون، ويجب أن نعلم أن الامتناع عن تنفيذ الأحكام قد يضر بالدعوة إلى القيام بالاستثمارات، لأن المستثمر أول ما يقوم بدراسته في بلد يشجع على الاستثمار، هو دراسة النظام القضائي، وكيف تحل المنازعات أثناء تطبيق الحركة الاستثمارية، ومن المؤسف أن نسمع أن فئة يطلق عليها خدام الدولة لا تطبق عليهم القوانين، ولا تنفذ مقتضياتها في حقهم.. إنها قد تكون إشاعة مغرضة لا يوثق بها، فسلطة القانون فوق الجميع، والذي جعل هذه الإشعاعات تنتشر هو أن بعض الجهات تمتنع عن تنفيذ الأحكام النهائية، خصوصا في القضايا التي أشار إليها تقرير صدر عن المجلس الأعلى للحسابات والتوصيات الصادرة عن مؤسسة الوسيط في موضوع تنفيذ الأحكام النهائية.

إن وزير العدل أكد يوم الثلاثاء 3 يناير 2023، في رده عن سؤال آني بمجلس المستشارين لمجموعة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل حول عدم تنفيذ الأحكام  وأن الوزارة أولت أهمية كبيرة لموضوع تنفيذ الأحكام القضائية من خلال تضمين قانون التنظيم القضائي 38.12 ومشروع قانون المسطرة المدنية عدة مستجدات تحمل إيجابات للانشغالات القائمة في هذا المجال، ولكن جواب الوزير لم يتطرق لما يترتب عن الامتناع عن تنفيذ الأحكام رغم أن الامتناع يدخل تحت طائلة القانون الجنائي كما هو جاري به العمل في عدد من التشريعات العربية وغيرها من التشريعات التي تعتبر ذلك جريمة يعاقب عليها، وحان الوقت بأن يتخذ المشرع موقفا واضحا وصريحا من جريمة العصيان والتعنت في تنفيذ الأحكام مهما كانت الجهة التي صدر منها العصيان وعدم الامتثال لما يصدر عن القضاء من أحكام ملزمة للجميع.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى