الرأي

الرأي | عندما تكون المحاماة مهنة المدافعين عن الحقوق والحريات 

بقلم: حسوني قدور بن موسى
محامي بهيأة وجدة

    بدأ تنظيم مهنة المحاماة في فرنسا في عهد الملك لويس التاسع عام 1226م، الذي فرض على المحامين قيودا شديدة ألزمتهم ألا يتقدموا إلى القضاء إلا بقضايا سليمة وأن يبتعدوا في دفاعهم عن الاعتداء على الخصم وأن يلتزموا القصد في التعبير وألا تتحرك ألسنتهم بألفاظ تمس شعور الناس والأخلاق الحميدة، وألا يتعاقدوا مع أصحاب القضية على أتعاب أثناء النظر في الدعوى، وفي عام 1344م، وضع برلمان فرنسا قواعد تحدد سلوك وأخلاقيات مهنة المحاماة وبعض تلك القواعد والقيود لم تفقد قيمتها إلى اليوم، ومنها على الخصوص: أن يؤدي المحامي يمينا بأن يقوم برسالته بإخلاص وصدق و أمانة؛ ألا يقبل قضية خاسرة يعرف بطلان الحق فيها؛ أن يتجنب الإدلاء ببيانات كاذبة؛ ألا يحاول الحصول من موكليه على مبالغ لأسباب مصطنعة أو القيام بوساطة بين القاضي والمتقاضي.

وتسمى أجرة المحامي “أتعاب” ولا تسمى “ثمن”، لأن المحامي يدافع عن الحق والحق لا يقدر بثمن، ولأن المحامي يقوم بمجهودات فكرية وأبحاث قانونية، بل يتعدى ذلك إلى فضح خروقات وانتهاكات حقوق الإنسان، خاصة بواسطة رفع شكايات ضد السلطة الحاكمة إلى الجهات المعنية مثل لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان ومقرها بجنيف طبقا للبروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر سنة 1966، لكن أغلب المحامين لا يمارسون هذا الحق، بل يلجؤون إلى أساليب أخرى مثل استعمال الابتزاز و”السمسرة” التي تتنافى مع مبادئ وخصال المحامين العظماء.

أنشئت لائحة المحامين لأول مرة عام 1790 في فرنسا، فكانت بداية عصرية لنظام المحاماة الذي تعرض في تطوره للرقابة والإشراف من طرف القضاء، وخاصة في عهد نابوليون، الذي كان من أشد خصوم المحامين حتى أنه كان يقول معلقا على مشروع المحاماة: “إنه مشروع سخيف لا يترك لنا أي سلطان على المحامين مع أنهم رجال ثوريون ضد النظام الملكي، وما دام سيفي بيميني فلن أضع إمضائي على مثل هذا القانون ولو استطعت لقطعت لسان كل محامي يطعن في الحكومة”، لكن رغم تلك المضايقات والعراقيل ظلت مهنة المحاماة صامدة وانتصرت على كل من أراد إسكات أصوات الأحرار المناضلين فيها، فانتهت دولة الظلم والطغيان وبقيت المحاماة تضيء درب من يريد الدفاع عن الحق والحقيقة، وتوج نضال المحامين بقانون 27 غشت 1830، ولقد شهد التاريخ العديد من المحامين الكبار العظماء المناضلين والمدافعين عن حقوق الإنسان وحرية الشعوب، والذين درسوا العلوم القانونية ولم يدرسوا علوم “تاحرميات” ودخلوا مهنة المحاماة عن قناعة واستحقاق من أجل إقامة دعائم الدولة العادلة والدفاع عن حرية وحقوق شعوبهم ومقاومة الظلم والطغيان والعبودية والاستبداد، لكن للأسف، هناك عدد كبير من المحامين في بلادنا امتهنوا المحاماة من أجل كسب المال عن طريق التلاعب بالقانون والبيع والشراء في مصالح المواطنين الذين وضعوا ثقتهم فيهم، واستعمال الحيل الماكرة وممارسة السمسرة والرشوة والفساد بجميع أشكاله، والانبطاح لذوي النفوذ وربط علاقات مشبوهة مع جهات مختلفة، فباستعمال هذه الأساليب الدنيئة المخالفة للأخلاق، ضاعت مهنة المحاماة وتراجع دور المحامي من الدفاع عن حقوق وحريات الشعوب وتحقيق العدالة إلى مجرد “سمسار” من أجل الحصول على منافع مالية لا تنفعه وهي تضر هذه المهنة، وهذا الأسلوب لا يشرف مهنة المحاماة، بل يفسد سمعتها ويدمر مقاصدها وأهدافها.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن المحامي العظيم شريف النفس لا يموت من الجوع أو قلة المال، بل يموت من فقدان عزة النفس وانعدام الأخلاق الحميدة، ويفقد عزته إذا انعدم احترام الحقوق والحريات ومن إذلال بني البشر والخضوع لأطماع جماعة المفسدين التي تهدف إلى جمع المال بأي وسيلة، لكن لاحظوا معي أن المال لا ينفع عندما يصاب المرء بالوهن والمرض والوباء، لأن صحة الأخلاق تجلب المال، بينما عندما تذهب سمعة الإنسان فلا يستطيع المال أن يرجعها إليه، وفي هذا الصدد، قال الدكتور عبد الرزاق السنهوري: “ليس المحامون محامين كلهم بالضرورة، فالكثير يعرف النصوص حتى من غير المحامين، لكن حقيقة دور المحامي تكمن في دراسة الوقائع كدراسة القانون والنظر إلى ما يمثل هذه الوقائع في نصوص القانون.. فقد كان رواد الفلسفة محامين بما يمتلكون من حجج ولغة عالية ونظرة ثاقبة، وكثير من الشعراء كانوا محامين بما يمتلكون من أدوات اللغة والبلاغة والفطنة، وليس من عمل المحامين قلب الثوابت أو تضليل الحقائق، فلا تشعر بالفخر كثيرا عندما توزع الرشاوى لكسب القضايا لأنك أصبحت مجرما بسبب مجرم، فأنت إذن مثله، لأنك تخسر ذاتك لتربح قضية.. فالقضية رابحة وستكون أنت الخاسر، وأن تنافسهم بصور غير مشروعة فهذا أقرب للدناءة وأبعد ما يكون من الأخلاق، لا تكذب ولا تعطي الوعود فأنت لست صاحب قرار فالأخلاق الرفيعة هي أساس مهنتك ولست مسؤولا عن النتائج، وقبل ذلك كله كن إنسانا لتكن محاميا، لا تكسب قضية وتخسر نفسك”..

فالمحامي الحق صاحب دور هام في المجتمع، فهو يمتهن مهنة سامية تساعد على نشر الحق وتحقيق العدالة ورفع الظلم، وليس على تكريس الظلم، ولهذا قيل عنها أنها مهنة العظماء لأنها تتطلب الرجل الذي يرغب في إظهار الحقيقة ويسعى لإيجاد الأدلة والبراهين وتطبيق القانون وفق المعطيات الموجودة لديه.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى