الرأي

الرأي | الرئاسيات الجزائرية والأفعى التي لا تستطيع أن تغير جلدها

بقلم: عبد الله بوصوف

    أعلنت الرئاسة الجزائرية في مارس 2024 عن قرار تقديم تاريخ الرئاسيات المقررة في دجنبر و إجرائها في شهر شتنبر من نفس العام، وجاء القرار بعد اجتماع مسؤولي الصف الأول في تشكيل “المجلس الأعلى للأمن” الجزائري، كما خلى البيان الرئاسي من تبريرات إقدام النظام العسكري على تقديم تاريخ انتخابات ستفصل في مستقبل الشعب الجزائري وتؤثر في السياسة الخارجية الجزائرية، وهو القرار الذي وصفه المهتمين بأنه خرق للدستور في ظل غياب ظروف قاهرة تبرر هذا الإجراء.

لقد مالت أغلب التحليلات الإعلامية الى وصف خطوة الرئاسة الجزائرية بالهروب إلى الأمام في ظل ضبابية المشهد السياسي والحزبي وفي ظل غياب منافسين حزبين وخصوم سياسيين حقيقيين وفي ظل شح على مستوى ملامح برنامج إنتخابات رئاسية مبكرة. إذ لا شيء يدل على وجود تدافع سياسي أو حتى تراشق إعلامي، وكأن النظام العسكري قد حسم نتائج الرئاسيات مسبقًا، وأن لا صوت انتخابي يعلو على صوت جنرالات النظام الحاكم.

في المقابل واصل النظام العسكري رياضته المفضلة في تشتيت انتباه الشعب الجزائري وبإقحامه في معارك بعيدة عن تقديم تفسير لأسباب نزول مشهـد طوابير الرز والحليب واللحم، وتهييج شعوره الوطني باسم القفطان والزليج والكسكس، كان آخرها حادثة “قميص بركان” الرياضي.

تتمة المقال تحت الإعلان

فخلق أعداء وصراعات وخصوم وهميين وافتراضيين للشعب الجزائري يُمـكٍـن النظام من كسب المزيد من الوقت للبقاء في السلطة، و من تأجيل محاسبته في كل الاستحقاقات الانتخابية و بشكلٍ ديموقراطي.

ولن يكون بمقدور النظام العسكري بالجزائر خداع كل الشعب كل الوقت، إذ لازلنا نسمع أصوات العقلاء ونشطاء حقوقيين وسياسيين وإعلاميين، رغم كل أساليب الحديد والنار في مواجهة كل أساليب الاحتجاج أو “الحراك الشعبي”.

فهل يمكن للنظام العسكري الحديث عن ما بعد الرئيس “عبد العزيز بوتفليقة” والتهليل بنتائج ما بعد انتخابات سنة 2019 ؟ و هل يمكن لذات النظام الحاكم وصف فترة الرئيس “عبد المجيد تبون” بالعهد الجديد ؟

تتمة المقال تحت الإعلان

الجميع يعرف أن مؤسسة الجيش بالجزائر هي الفاعل السياسي الأول و هي الآمر الناهي في كل القرارات الكبرى، لذلك فليس من المقبول الحديث عن “عهد جديد”، مادام أن الرئيس الحالي “تبون” كان وزيرا في العديد من حكومات بوتفليقة، بل كان مقربًا جدا منه حتى أنه عينه في منصب رئيس الحكومة في شهر ماي من سنة 2017، ثم رئيسا للجمهورية بعد أحداث الحراك الشعبي و استقالة بوتفليقة سنة 2019. لهذا لا يمكن الحديث عن “عهد جديد”، بل فقــط تغيير لاعبين في نفس اللعبة و داخل نفس الملعب، لأن النظام العسكري يعرف جيدا أن الأفعـى التي لا تستطيع أن تغير جلدها ،لابد أن تموت، كما قال “فريدريك نيتشه”.

وفي ظل غياب كل تفسير أو تبرير لأسباب تقديم الرئاسيات بتاريخ السابع من شتنبر 2024. فإن النظام الحاكم ينتظر ـ ربما ـ اللحظات الأخيرة لإعلان اسم المرشح الرئاسي القادر على مواصلة أجندة العداء للجار المغربي اللدود.

لكن بعيدا عن المطبخ السياسي للنظام الجزائري، فإن كل وقائع الوضع الحالي تدفع بالقول بتغيير أدوات اللعبة و تأثرها أولًا، بخارج الحدود الجزائرية كالحرب في أوكرانيا وغزة / فلسطين، والساحل جنوب الصحراء وتونس وليبيا وتحالف البريكس وانتكاسات مشروعها العدائي ضد المغرب وانتصار المقاربة الواقعية في قضية الصحراء المغربية وتبني خيار الحكم الذاتي كحل واقعي قوي من طرف دول وازنة سواء الولايات المتحدة الأمريكية أو بدول أوروبا وكذا ترتيبات إعادة تطبيع العلاقات المغربية/ الفرنسية، لكــن بإحداثيات مغربية أولها الخروج من المنطقة الرمادية في قضية مغربية الصحراء.

تتمة المقال تحت الإعلان

و ثانيًا، بتداعيات إصدار قوانين جديدة سواء في مجال الاستثمار وجلب الرساميل الأجنبية و قانون الصحافة الجديد، فالتصديق على قانون الاستثمار الجديد 18/22 والذي لم يخلو بدوره من “بوليميك سياسي” بعد قرار تمريره على البرلمان بشكلٍ استعجالي و دون السماح بإعادة قرائته أو بتعديل نصوصه داخل المجلس الشعبي الوطني (البرلمان)، وتسويقه لشعارات حرية الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال، فإن القانون الجديد أطلق يــد المستثمرين الأجانب في مجالات الطاقة والبترول وعمليات التنقيب وعدة اختصاصات ظلت حصرية على “سوناطراك”، بالاضافة الى مزايا جبائية عديدة من أهمها: إعفاء الشركات من رسوم الجمارك و الضريبة على الأرباح و على القيمة المضافة و تحويل الأرباح إلى الخارج، وهي كلها أموال كان من المفروض دخولها لخزينة الدولة الجزائرية.

ويظهر عجز النظام العسكري جليًا في تدبير المرافق العمومية الكبرى المتصلة بحاجيات المواطن الجزائري. لذلك فقد أختفى وراء شراكات مع دول أو شركات أجنبية وعرض الثروة الطاقية والمنجمية و قدرات الشعب الجزائري للبيــع أو للــرهن، وهو ما يظهر جليا في تكليف شركات صينية كبرى مثلا في تدبير منجم “غار جبيلات” الغني باحتياطات كبيرة من الحديد، هذا رغم توقيع الجزائر مع المغرب اتفاق بخلق شركة لاستغلال المنجم سنة 1972 لازالت سارية إلى اليوم.

فـالشركات الصينية العملاقة هي من تكلفت ببناء المسجد الكبير بالعاصمة وبتكلفة خيالية قاربت مليار دولار، وأخرى تكلفت ببناء مطار بومدين الجديد، ومحطات السكة الحديدية.

تتمة المقال تحت الإعلان

وتكلفت الشركات قطرية بتدبير مصانع الحديد و الصلب، وإقامة مستشفى قطري / ألماني، ومصنع قطري للحليب بكلفة 3,5 مليار دولار، وأخرى بتجهيز البنية التحتية من طرق وموانئ و سلاسل فندقية و خدمات.

بالإضافة إلى شركات فرنسية وايطالية وتركية و خليجية، فماذا تبقى للدولة الجزائرية و للمستثمرين الجزائريين ؟

من جهة أخرى، فالنظام العسكري سيدشن دخوله للانتخابات رافعا شعار حرية الإعلام من خلال إصداره قانون الصحافة الجديد في شهر دجنبر 2023، ورغم شعارات الانفتاح الذي كانت الغاية منها فقــط تحسين صورة الجزائر بالخارج وخاصة أمام البرلمان الاوروبي، فلازال العديد من الصحافيين يقبعون في السجون لآرائهم. وإذا حُسب على القانون الجديد إلغائه “الجرائم الصحفية”، فإنه تصدى للتمويلات الأجنبية لوسائل الإعلام و منع مزدوجي الجنسية من خلق مقاولات صحفية، يــتم التهليل لهذا “الحمل الكاذب” في ظل سريان قوانين وتشريعات تزج بالصحافيين في السجون.

تتمة المقال تحت الإعلان

ويظهر أخيرا من بيانات معهد ستوكهولم الدولي للسلام (سيبري) أن الإنفاق العسكري الجزائري ارتفع بنسبة 76% خلال سنة 2023 وصل الى ما يعادل 18,3 مليار دولار، جعل من النظام العسكري الحاكم في المرتبة الثالثة من حيث الإنفاق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مينا) وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الجزائر.

الأكيد أن تخصيص ميزانيات ضخمة للتسليح يحمل رسائل ضمنية للداخل الجزائري بوجود أخطار و تهديد أمني يُـبرر تأجـيل النظام العسكري لمشاريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ورسائل للحركات الاحتجاجية سواء بمنطقة القبايل شمالا أو “الطوارق” جنوبا، ورسائل لدول الجوار والحدود كدول الساحل، وأيضًا تجهيز مرتزقة البوليساريو بتندوف، والتلويح بالتفوق العسكري في المنطقة.

نعتقد أن الجزائر تحتاج الى جيل جديد من القيادات الشابة، وليس لجيل شعارات الحرب الباردة.

تتمة المقال تحت الإعلان

فعندما نتأمل قفزة دول الخليج العربي وتقدمها الكبير، فإننا نتألم لحال شعب الجزائر الذي يقف لساعات طويلة من أجل كيلو رز و حفنة طحين و لتر من الحليب !

و عندما نتأمل كيف استفادت دولة النرويج مثلا من ارتفاع عائدات الطلب على الغاز الطبيعي بعد الحرب في أوكرانيا، فإننا نردد قوله سبحانه وتعالى “ما يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم”.. صدق الله العظيم.

تفصلنا أقل من ثلاثة أشهر ونصف على رئاسيات السابع من شتنبر، نتمنى انتصار الديمقراطية والكرة في ملعب الناخب الجزائري.

تتمة المقال تحت الإعلان

يُتبــــع…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى