الرأي

الرأي | لماذا افتراض قرينة البراءة في القانون ؟

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    قرينة البراءة كانت ولا زالت موضوع أبحاث ودراسات، ومنها دراسة بعنوان: “قرينة افتراض البراءة وأثارها القانونية.. مقارنة على ضوء الدساتير والقوانين والمواثيق الدولية” من إعداد الدكتور محمد طه الباليساني، أستاذ القانون الجنائي المساعد بكلية القانون جامعة تيشك بالعراق، والأستاذة زينب محمود حسن مدرسة القانون الجنائي المساعدة بكلية الحقوق جامعة كركوك، ويرجع تاريخ هذه الدراسة لسنة 2019، وشملت الجوانب التالية: ماهية افتراض قرينة البراءة والطبيعة القانونية لها ومبرراتها، ومفهوم افتراض البراءة في رأي الفقه والقضاء والدساتير في معنى افتراض قرينة البراءة التي توصف بقانونيتها وبطبيعتها وبساطتها، وكون قرينة البراءة حق واجب الاحترام والمبررات التي أدت إلى افتراض قرينة البراءة، ثم الأساس القانوني لقرينة البراءة في الدساتير والقوانين الجنائية والمواثيق الدولية.

ولقد جاء في تلك الدراسة ذكر للدول التي ينص دستورها على قرينة البراءة، لكن مما يؤخذ عليها ما جاء في الصفحة 815 حينما ذكرت: “ولا يضر كون بعض الدساتير التي لم تتضمن نصوصا صريحة تتعلق بحق المتهم في أصل البراءة كدستور تونس والمملكة المغربية، لأنه نصت على هذا المبدأ دساتير وتشريعات معظم الدول الأجنبية والعربية والإسلامية، وتثبيت المبدأ لكونه عنصرا أساسيا في الشرعية الإجرائية والأجنبية في الحفاظ على حقوق وحريات الإفراد”، ونود بعد الاطلاع على ما ذكر وبالأخص ما قيل في حق المغرب، لنلفت نظر الباحثين إلى أن المملكة المغربية وهي دولة إسلامية ودينها الرسمي هو الإسلام، تطبق بحرص شديد ما نص عليه القرآن الكريم والسنة الشريفة، على ضرورة تكريم الإنسان وحمايته في نفسه وعرضه وماله ودينه، والابتعاد عن سوء الظن، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: “ادرأوا الحدود بالشبهات”، أما بالنسبة للتشريع وفي مقدمته التشريع الدستوري، فقد جاء في دستور 1972 التطبيق العملي لمبدأ قرينة البراءة وأشار على سبيل المثال إلى المجالات التي تطبق فيها قرينة البراءة  حيث ورد فيه: ((لا يلقى القبض على أحد ولا يعتقل ولا يعاقب إلا في الأحوال وحسب الإجراءات المنصوص عليها قانونا، المنزل لا تنتهك حرمته ولا تفتيش ولا تحقيق إلا طبق الشروط والإجراءات المنصوص عليها في القانون))، كما أن المملكة المغربية وقعت على جميع ما صدر عن هيئة الأمم المتحدة من إعلانات وتوصيات تتعلق باحترام حقوق الإنسان، ومنها حقه في التمسك والدفع بقرينة البراءة، ونص دستور 2011 على تلك الاتفاقيات والمعاهدات ولها الأولوية في التطبيق على التشريع الوطني، وجاء في تصدير الدستور: ((جعل الاتفاقيات الدولية كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية والعمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة))، وجاء في فقرة من الفصل 23 من الدستور: ((قرينة البراءة والحق في محاكمة عادلة مضمونان)).

وينص التشريع الجنائي على تطبيق القواعد والضمانات المرتبطة بقاعدة البراءة هي الأصل، مثل قاعدة الشك يفسر لصالح المتهم، وقاعدة تعليل الأحكام تعليلا كافيا ومقنعا، وقاعدة الجواب على ما يقدم للمحكمة من حجج، كما ينص على أن إثبات الجريمة بجميع عناصرها تقع على النيابة العامة، وللمتهم أن يتمسك بالصمت كوسيلة للدفاع عن براءته، وللقاضي حق التنحي لأسباب جدية ومقنعة حتى لا يحكم بما يعلم، أو اطلع على ما راج في ارتكاب الجريمة ونشر بأي وسيلة من وسائل الإعلام.

تتمة المقال تحت الإعلان

وفي موضوع قرينة البراءة، نرجع إلى ديباجة القانون 22.01 المتعلق بالمسطرة الجنائية، فنجدها تنص على قرينة البراءة وما يرتبط بها، ونظرا لأهمية هذه القرينة، جعلها المشرع تحتل المادة الأولى في قانون المسطرة الجنائية وقال في مادة “قرينة البراءة”: ((كل متهم أو مشتبه فيه بارتكاب جريمة يعتبر بريئا إلى أن تثبت إدانته قانونا بمقرر مكتسب لقوة الشيء المقضي به))، أي بناء على محاكمة عادلة تتوفر فيها كل الضمانات القانونية، ولتقوية قرينة البراءة أحاطها المشرع بعدة تدابير عملية من بينها: اعتبار الاعتقال الاحتياطي والمراقبة القضائية تدبيران استثنائيان، وتحسين ظروف الحراسة النظرية، والاعتقال الاحتياطي، وإحاطتهما بإجراءات مراقبة صارمة من طرف السلطة القضائية، وترسيخ حق المتهم بإشعاره بالتهمة، وحقه في الاتصال بمحامي خلال فترة تمديد الحراسة النظرية، وحق المحامي في تقديم ملاحظات كتابية خلال تلك الفترة، وحقه في أن يشعر عائلته بوضعه تحت الحراسة النظرية، وإمكانية النشر الكلي أو الجزئي لقرار عدم المتابعة الذي يصدره قاضي التحقيق بالصحف بناء على طلب من يعنيه الأمر أو النيابة العامة، ولعل هذا النشر بعدم المتابعة يعد نصرا ساحقا  لمكانة قرينة البراءة.

وليعلم القاصي والداني بالبراءة، ويعود المتهم إلى وضعه الاجتماعي معززا مكرما بتلك القرينة، وللحفاظ على قرينة البراءة، منع القانون تصوير شخص معتقل أو يحمل أصفادا أو قيودا، أو نشر صورته أو اسمه أو أي إشارة تعرف به دون موافقته، والمعاقبة على ذلك، أو القيام بأي وسيلة كانت بنشر تحقيق أو تعليق يتعلق بشخص تجري في حقه مسطرة قضائية سواء كان متهما أو ضحية دون موافقته، وأكد  المشرع أن الشك يفسر دائما لفائدة المتهم، والدور الفعال للقضاء في مراقبة وتقييم وسائل الإثبات، وهناك مستجدات وردت في قانون المسطرة الجنائية، نذكر منها: الإثبات الجديد لمكافحة الجريمة وحماية الضحايا؛ رد الأشياء المحجوزة لمن له الحق فيها؛ الصلح بين الخصوم، لذلك، نأمل أن تتاح الفرصة لمن أشار إلى موقف المغرب من قرينة البراءة، أن يعيد النظر في دراسته، ويصحح الوضع بالنسبة للمملكة وما توفره وتضمنه لكل متقاضي من ضمانات لا تنص عليها تشريعات عدد من الدول لم تشر إليها تلك الدراسة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى