الرأي

الرأي | كيف تؤثر الرقابة في إضعاف اللغة العربية

بقلم: بنعيسى يوسفي

    يسود نقاش اليوم في الأوساط الثقافية والاجتماعية العربية بأن اللغة العربية تعيش حالة من الفقر والعجز قد يؤديا ء إذا استمرا ء إلى الفقر في الوجود كما يقول المفكر العربي الكبير أدونيس، فرغم أن هذه اللغة تعتبر من أقدم اللغات وأغناها في التاريخ على الإطلاق، إلا أنها ومن منظور الكثير من المهتمين والدارسين لها، أصبحت تعيش وضعا لم تعرفه من قبل مقارنة مع لغات العالم الأخرى المعروفة، حيث للأسف كلما وجدناها تحمل بين ثناياها كل بذور وجينات التطور والغنى والتأقلم والتكيف مع التطور المجتمعي سواء من الناحية الاقتصادية أو الثقافية أو العلمية أو التكنولوجية، إلا أنه ثمة بعض الحواجز والعوائق الذاتية والموضوعية التي تجعلها تبدو متأخرة وغير قادرة على تحقيق شروط المنافسة المطلوبة والحفاظ على زخمها وقوتها أمام الإمكانيات الهائلة على كل المستويات التي ترصد لمثيلاتها في الشعوب والأمم الأخرى، حتى تبقى لغتهم صامدة وحية، ولعل السؤال الذي يمكن طرحه والحالة هاته، هو حول مكمن المشكل والخلل إذن، هل العجز الذي تعاني منه اللغة العربية اليوم نابع منها هي كلغة بذاتها، أم هذا العجز يستوطن أماكن ومواقع أخرى، يجب رصدها ووضع الأصبع عليها، وبالتالي، تبقى هذه اللغة بريئة ولا ذنب لها في كل ذلك؟

من نافلة القول أن أي لغة، كيفما كان نوعها، لا يمكن أن تحافظ على استمراريتها وتطورها إلا بمستويات ودرجات استعمالها واستخدامها والتعبير بها، ولذلك تجد ارتباطا وثيقا بين هذه اللغة والعقل الذي يفكر بها وينتج بواسطتها خطابا أو كلاما، ويبدع بها كل أشكال المعرفة، ولذلك، فإن كان من عجز أو تقصير اليوم تشكو منه اللغة العربية فهو ء دون شك ء راجع إلى العقل العربي الذي لا يساهم بالشكل المطلوب في تطويرها وازدهارها، فالعقل العربي في الوقت الراهن لم يعد كما كان متحررا من القيود الفكرية والإبداعية، أو لم يعد بذلك الثراء والغنى الذي ساد من قبل، نظرا لارتفاع منسوب الرقابة الذي أصبح يمارس على حرية القول وضمنيا على اللغة في جل المجتمعات العربية، فالرقابة لا تمنع القول فحسب، بل تمنع القارئ نفسه من القراءة، وتمنع العقل من التفكير. إذن، فهي رقابة تقتل المجتمع في الأخير، فحينما تحجب اللغة عن ميدان من ميادين المعرفة، فأنت تقلص اللغة لا تقلص المعرفة وحدها، فهذه الرقابة المختلفة، السياسية والدينية، هي ضد اللغة ذاتها التي تحفظ تراثهم، فالمراقبون يراقبون لغتهم فيما يظنون أنهم يدافعون عنها، وبهذه الوضعية، نبدو وكأننا نعيش في الماضي، واللغة الحية هي المستقبل، وإلغاء الرقابة هو تأكيد أن للغة مستقبل.. الرقابة بجميع مستوياتها ليست السياسية فقط، تجعل اللغة مجرد ذاكرة، مجرد ماض، وتعزلها عن الحاضر والمستقبل، يعني تقتلها، تقتل اللغة وتقتل حيويتها، وتظهر أيضا هذه الرقابة التي يمكن أن تصل إلى مستوى العائق أمام التطور بصيغة أخرى وبشكل جلي، في مظهر نرثه ونسمع به بشكل متكرر وهو أن اللغة العربية قالت كل شيء مع النص الديني، قالت الماضي وتقول الحاضر وتقول المستقبل أيضا، بحيث إن اللغة تستنفذ الأشياء جميعا وكل شيء موجود فيها سلفا، ويكفي أن تقرأ النص وفق هذه المقولة الدينية وتعرف كيف تفسره لكي تعرف العالم ومصيره، لكن هذه الرؤية للغة يدينها الواقع ولا يقبل بها، بل وتدينها الحياة وتغيرها المستمر وتغير الأشياء المستمر أيضا، إلى درجة أنه يوجهنا إلى أن نقول النقيض، ولحسن الحظ الإنسان خصوصا والفكر، أن اللغة لا تقول الأشياء على نحو نهائي وكامل، اللغة دائما دون مستوى قول الأشياء لأننا حينما نتصور أن اللغة تقول الأشياء بشكل كامل، فمعنى ذلك أن العالم قد انتهى، وبما أن الواقع يقول لنا عكس ذلك، فنحن نشهد عراكا بين اللغة والأشياء إلى درجة أننا نشعر بأن اللغة لا تقول إلا جانبا واحدا من الأشياء، وحتى هذا الجانب لا تقوله اللغة بشكل كامل ونهائي، فالعالم والأشياء والواقع أغنى وأوسع بكثير من أن تفصح عنه اللغة إفصاحا كاملا.

تتمة المقال تحت الإعلان

وصفوة القول، فإن اللغة تغتني بقدر ما تكون حرة في الإفصاح والتعبير عن العالم، وحينما تكون غير حرة فمعنى ذلك أن الوجود يتقلص واللغة نفسها تتقلص، وهذا ما يحدث للغة العربية التي أصبحت اليوم في تقلص، لأن قدرتها أو إمكانياتها أو حريتها في التعبير عن الأشياء والإنسان والعالم ومشكلات النفس محدودة بفعل الرقابة القائمة في المجتمع العربي، لا رقابة السلطة السياسية وحدها، بل رقابة المجتمع نفسه، لذا فإن اللغة تتقلص وتنكمش، وإن العالم تبعا لذلك يتقلص وينكمش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى