الرأي

الرأي | التعديل الحكومي المرتقب وسؤال الفعالية والنجاعة

بقلم: بنعيسى يوسفي

 

    لا حديث يعلو هذه الأيام في الساحة السياسية المغربية على حديث التعديل الحكومي المرتقب في غضون الأيام المقبلة، وهو تقليد دأبت عليه الدولة منذ زمن، حيث يتم استبدال وزير بوزير في قطاعات معينة أو تبادل للأدوار أو تعيين كتاب عامين يساعدون وزارات بعينها في تحمل مشاق ومسؤولية تدبير وزارة ما أدوارها حيوية متداخلة ومتشابكة، وإذا كان هذا السلوك السياسي أمرا عاديا في جل الأنظمة السياسية، سواء الديمقراطية أو غير الديمقراطية، بغاية ضخ دماء جديدة في الجسم الحكومي لتكملة أوراش أو مشاريع عالقة، أو حلحلة ملفات عرفت تعثرات أو فشل، أو حتى بصرف النظر عن ذلك، قد تكون للأمر علاقة بسوء تدبير أو عدم التواصل أو البيروقراطية أو نقص حاد في التجربة الوزارية وما إلى ذلك، فإن السؤال المطروح في المغرب من طرف جل المتتبعين للشأن السياسي، هو حول مدى إمكانية نجاعة هذا التعديل، هل يمكن أن يفي بالغرض ويحقق الأهداف المتوخاة من ورائه، أم أن المسألة لا تعدو أن تكون تكريسا لعرف سياسي بما له وما عليه؟ هل استفاد المغرب من التجارب السابقة في كل التعديلات التي قام بها وظهرت النتائج ملموسة في الواقع؟ هل تم إنجاز دراسات وتقييمات موضوعية لكل هذه التجارب للاستفادة من الأخطاء والهفوات السابقة، أم أن الضرورة فقط هي التي تستدعي التعديل في كل نصف ولاية حكومية لإدخال حزب معين إلى الحكومة أو إرضاء لخواطر أحزاب مشاركة في الحكومة وتدبر الشأن العام، وإعطاء فرصة لأشخاص آخرين للاستوزار والظفر براتب سمين وتقاعد مريح؟ وهل التعديل المرتقب مبني على استراتيجية سياسية واضحة وتصور دقيق مستحضر للأولويات والمطالب الملحة للمواطن، أم هو تعديل سياسي تقني صرف؟ وهل يمكن أن تخبرنا السلطات عن إخفاقات الوزارات التي سيطالها التعديل في إطار الشفافية والوضوح وتنوير الرأي العام، أم أن المسألة ستبقى في طي الكتمان؟

تتمة المقال تحت الإعلان

يصعب في أي تعديل حكومي استباق نتائجه ونقول أنه سيحقق نتائج باهرة في القطاعات التي استهدفها التعديل.. ففي بعض الأحيان، قد لا يكون المشكل في هذا الوزير أو ذاك أو في أسلوب عمله بقدر ما يكون المشكل في الآليات والإمكانيات المادية والبشرية المرصودة لهذه الوزارة أو تلك، والتي قد تكون ربما غير كافية لتنفيذ برنامجها الذي يعتبر جزء لا يتجزأ من البرنامج الحكومي ككل، وبالتالي، فالوزير الذي سيشمله التعديل لو توفرت له الظروف المناسبة للاشتغال، لحقق ما كان مرجوا منه، وربما يكون أيضا فشل وزير من الوزراء في تدبير قطاعه راجع بالأساس إلى كونه لا يلقى الدعم الكافي من الفريق الحكومي الذي ينتمي إليه نتيجة لتقاطع بعض القطاعات الوزارية، وفي بعض الأحيان، قد لا يلقى الدعم من الحزب الذي ينتمي إليه لسبب من الأسباب، التي قد تكون سياسية ضيقة بالخصوص، وهذا ناتج عن غياب ثقافة الانسجام والتضامن الحكومي بين كل مكونات الحكومة، وذلك لاختلاف التوجهات وتباين المرجعيات، مما يجعل هذا التحالف الحكومي دائما على المحك ومثار تساؤلات ومهدد بالانهيار في أي لحظة، ويتضح هذا جليا في الأزمة الأخيرة التي عرفها الحقل التعليمي نتيجة الإضرابات غير المسبوقة لرجال ونساء التعليم، حيث ساندت الحكومة بشكل مطلق الوزير المعني بالقطاع وساعدته على تجاوز الأزمة وأعادت القطار إلى سكته الصحيحة، وهذا ما قد لا نجد له أثرا في التعامل مع بعض الأزمات التي يمكن أن تعرفها بعض الوزارات الأخرى مع مواردها البشرية أو غيرها، وقس على ذلك من العراقيل التي يمكن أن تقف حائلا أمام ترجمة هذا الوزير أو ذاك لتصوره أو استراتيجيته في العمل.

إن الإقدام على أي تعديل حكومي بمبرر أن وزارة ما لم تحقق ما كان منتظرا منها وتحميل وزير بعينه المسؤولية، هو سلوك يضع الحكومة ورئيسها أمام مسؤولية أخلاقية وفيها ضرب مباشر لمصداقيتهما، بحيث كيف يمكن أن نفسر أن اختيار هذا الوزير أو ذاك للاستوزار وتحميله مسؤولية تدبير قطاع معين وفق معايير محددة بناء على سيرته الذاتية ونقول فولان هو الأصلح لهذا القطاع نظرا لما يتوفر عليه من إمكانيات وطاقات وشهادات وكفاءات وكذا وكذا.. وتتم الموافقة عليه، ونسلمه مفاتيح وزارة معينة، وفي منتصف الطريق يجد نفسه خارج أسوار الحكومة، ويبقى كل ذلك المديح الذي قيل في حقه لا قيمة له، وحتى الذي سيأتي مكانه يمكن أن يلقى نفس المصير، ألم يقولوا أن هذه الحكومة حينما تم تعيينها هي حكومة كفاءات قادرة على تحقيق ما لم تستطع الحكومات السابقة تحقيقه، رغم أنها هي أيضا قيل أنها تضم كفاءات؟ فكل هذه الأمور تجعلنا غير مطمئنين لنجاعة وجدوى أي تعديل حكومي كيفما كان، خاصة إذا علمنا أن الأحزاب تعيش خصاصا مهولا بخصوص الشخصيات المناسبة للاستوزار، وأنها قدمت أفضل ما عندها عند تشكيل الحكومة، وبعضها بالكاد استطاعت تقديم أسماء لهذه المهمة، ومنها من لجأت لتحويل أسماء تكنوقراطية إلى سياسية، وبعضها لا زالت غارقة في مشاكل داخلية وتنظيمية.

إن أي تعديل حكومي ناجع لا يمكن أن يعطي ثماره إلا في واقع سياسي ينتج نخبا سياسية قادرة على تحمل المسؤولية وتتوافر فيها كل شروط الاستوزار من رصيد سياسي محترم وكاريزما وثقافة سياسية محترمة في مناخ سياسي ديمقراطي حقيقي، وهذه مسؤولية الأحزاب التي إذا لم تشتغل على كل هذه المعطيات، فإنها ستجد نفسها في المستقبل غير قادرة على تحمل مسؤولية تدبير الشأن العام لعدم قدرتها على إنتاج النخب السياسية القادرة على ذلك.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى