الرأي

الرأي | ماتت الفلسفات.. فماذا ينتظر السياسة ؟

بقلم: نزار القريشي

 

    إن بدايات الفلسفة، التي أعلنت بدء وظهور الوثائق الإغريقية، التي سبقت ظهور الديانات، والتي بدورها تم التلاعب في مخطوطاتها وتحريفها، بغية إقناعنا بمفهوم الشر كمخلص للبشرية، مرورا إلى تطور أفكار وأطروحات هذه الفلسفات، من العهد القديم إلى أوجها الذي عرفناه بالعصر الوسيط، عبر الحكيم سقراط إلى تلميذه أفلاطون فأرسطو، وذلك إلى غاية إعلان موت الفلسفات المنطقية كلها، بمجيء الفيلسوف فريدريك نيتشه، الذي يعتبر مخبريا أنه كان مجنونا بسبب تطور إصابته بمرض داء الزهري، حيث اتضحت عليه أعراض هذا المرض في المراحل الأولى من فترة شبابه، وهو ما انعكس على أفكاره الفلسفية التي انقلبت على أفكار الفلسفة اليونانية التقليدية، فأحدثت أفكاره تغييرا فلسفيا يتعارض مع المنطق وأساس الحكمة، باعتبار الفلسفة هي محبة الحكمة لذاتها، والبحث عن الحقيقة، والنظر العقلي في الموجودات، إذ تندرج في مفهومها العام ضمن علم الكليات، فجاء نيتشه وأزاح مفهوم الاستدلال اللغوي عن معناه القصدي، وقام بفصل الاسم عن المسمى، ليكرس معه انفصال الدال عن المدلول، وحول المعنى من معناه إلى معنى غير مركزي، ليصير المطلق نسبيا، وهو بذلك يكون قد اغتال الحقيقة بدعوى أنها متحركة وغير ثابتة، وهو ما جعله يقدم القوة ويؤخر المعرفة عنها، غير أن معرفة الحقيقة أو الحقيقة المعروفة هي الأشياء من حيث ارتباطها بموضوعها، فتقديمه للقوة على المعرفة، باعتبار القوة مصدر المعرفة – وطبعا حسب رأيه – هو ما أنتج معه الفكر الغربي تاريخه الكولونيالي، حيث لقي هذا الفكر الاستعماري مقاومة صارمة تجاه أفكاره من قبل الدول والشعوب المُسْتَعْمَرَة، وهو ما تطور النقاش بشأنه مع فلاسفة ما بعد الحداثة، مع تيارين أساسيين لهذه الحركة الفلسفية المتمثلة في جاك دريدا وميشال فوكو، حيث استخدم دريدا مفهوم التفكيك بمعناه الجديد في الفلسفة من أجل الفهم الحقيقي لمكانة الإنسان في العالم، فأزاحه عن موقعه المركزي بعيدا، وهو ما دفع  بيورغن هابرماس إلى اتهامه بالظلامية والعبثية وتعمد الغموض، غير أن فوكو من جهته، وبعد تأثره بالبنيوية، درس وحلل تاريخ الجنون، في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”، مما أهله لابتكار مصطلح “أركيولوجية المعرفة”.

تتمة المقال تحت الإعلان

إلى ذلك، إن ظهور فلسفة نيتشه الجنونية، التي كانت بمثابة مصطبة بنى الغرب عليها مجده، تكون مع نهاية مراحل سقوف تطورها، قد أعلنت معها موت كل الفلسفات.. فبعد إفلاس الرأسمالية باعتبارها نمطا اقتصاديا متوغلا في التوحش، هو ما أدى بنا كمجتمع ثقافي وعلمي إلى معرفة حقيقية بخبايا النيوليبرالية، التي برزت مع عصر تعدد الأنماط الاستهلاكية، للوصول إلى حكم الشركات، وذلك لضمان استمرار هذا النمط الاقتصادي، وهو ما أدى أيضا إلى المحاولات الجارية لتحقيق التخفيض السكاني، والذي تأكد أنه لن يطال دول التجمع الأنجلوساكسوني، وأوروبا الغربية، حيث حملت الرأسمالية ذنبها للإنسانية، مرغمة إياها على السقوط، وهذه الحروب الطائشة، وهو أحد أقصى مظاهر توحش الليبرالية، والجديد الذي جاءت به بعد فترات الاستغلال الإمبريالي للمُستعمرات، لذلك لم يتبق للفكر والعقل الغربي من أوراق سوى ما يتمثل في محاولاته الحثيثة لتكريس “التفاهة”، وهو ما شمله بالبحث كتاب “نظام التفاهة” للكاتب الكندي آلان دونو، في محاولة بحثية عميقة يُستشف منها خطورة تغييب الوعي الجمعي لأمم وحضارات إنسانية عريقة في التاريخ.

إلى ذلك، وفي سياق مختلف، ابتكر الفكر الغربي مصطلح “الشعبوية”، للدفاع والتغطية على نخبه الفاسدة، التي استحوذت على مدخرات الشعوب والأوطان، وهو ما بدأ مع الفترة الاستعمارية كما قلنا، واستمر معه هذا الشأن إلى ما بعدها، وهو أيضا ما نشهده حاليا في سياق الصراع الدولي الجاري حول آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، تحاول الدول من خلاله الدفاع عن مصالحها وحقوقها الخاصة، من أجل نظام عالمي جديد يكون أكثر عدلا، وبخرائط تسمح باقتسام عادل للثروات، بعدما تسبب نظام الأحادية القطبية بتركيز ثروات كل الكوكب في يد خمس عائلات كبرى، إذ على ذلك يتأسس الصراع الذي نشهده اليوم، والذي لن ينتهي إلا بإقرار خرائط جيوسياسية جديدة تساهم في تشكيل نظام عالمي جديد، وبفلسفة جديدة.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى