الرأي

رأي | المغاربة هم الذين ضحوا من أجل باريس

محاضرة سفير فرنسا خرق للأعراف الدبلوماسية

حصل السفير الفرنسي بالرباط كريستوف لوكورتيي، على فرصة لإلقاء محاضرة في مؤسسة جامعية للتعليم العالي وفي رحاب كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية أكدال الرباط، وزعم في محاضرته أن فرنسا، التي استعمرت المغرب أزيد من نصف قرن وذاق المغرب بملوكه وشعبه كل صنوف الاعتداء والعدوان من أجل أن يتحرر من السيطرة الاستعمارية، ذكر السفير أن بلاده كانت دائما إلى جانب المغرب.

بقلم: ذ. عبد الواحد بن مسعود
من هيئة المحامين بالرباط

    إن ما ورد في محاضرة السفير الفرنسي، لا يمكن أن يمر مرور الكرام، ولا بد من التعليق على ما ورد في تلك المحاضرة، واستجلاء حقيقة الأمور، وقد استهجنت بعض أجهزة الإعلام ما جاء في تلك المحاضرة وعبرت عن استيائها بقولها “سفير الإليزيه يزور التاريخ.. أكاذيب فرنسا الجديدة في قضية الصحراء”  (الأسبوع” /عدد 29 مارس)، وأعتقد يا سعادة السفير أنك لم تطلع على تاريخ المغرب منذ أن فرضت بلادكم حمايتها سنة 1912 على المغرب إلى سنة  1956، ولست على علم بالسياسة التي سلكتها بلادكم بعد استقلال المغرب ولا زالت متمسكة بتلك السياسة ليبقى المغرب خاضعا لسيطرتكم، ومنفذا لتعليماتكم، وأن الاستقلال في نظركم كان استقلالا صوريا، فبلادكم لم تكن بجانب المغرب في أي يوم من الأيام وهو تحت سيطرة استعماركم، فرضتم الاستعمار على  المغرب في ظرف قاهر، وشنت جيوشكم الحرب الشرسة على القرى والمدن، ودمرتموها تدميرا، وقتلتم الأبرياء العزل، واستوليتم على الأراضي الخصبة،  وقمعتم الحركات الوطنية، وعرقلتم جهاد جيش التحرير، واقتطعتم أراضي شاسعة من الصحراء المغربية وألحقتموها بمستعمرتكم في الجزائر، وأقدمتم على إعدام الفدائيين ونفي رجال الحركة الوطنية، وتطاولتم على الشرعية بنفي ملك البلاد وأسرته، وحاولتم تفتيت الوحدة الوطنية بالظهير البربري، وحاولتم طمس اللغة العربية، وقمتم بتأسيس محاكم قضائية لجاليتكم ومن يناصرها، وتقول يا لوكورتيي أن فرنسا كانت دائما بجانب المغرب؟

نعم، فرنسا في جانب المغرب لنهب خيراته، والتحكم في سياسته الخارجية، ومنعه من اختيار شركائه، دون أن ننسى صفقة الأسلحة بثمن خيالي ومنع استخدام الطائرات للدفاع عن وحدة ترابه؟ هل أنتم مع المغرب وتقفون في المنطقة الرمادية وتصرون على عدم الاعتراف بالصحراء المغربية الغربية والشرقية، وممثلكم في مجلس الأمن يقول أن فرنسا مع الحكم الذاتي معتقدا أن هذا التصريح يخرجكم من المنقطة الرماية؟

تتمة المقال تحت الإعلان

فالقضية أيها السفير قضية اعتراف بمغربية الصحراء اعترافا واضحا لا يقبل أي تأويل، لأن الحكم الذاتي ما هو إلا نظام لكيفية تسيير الأقاليم الصحراوية بعد الاعتراف الأول بمغربيتها كما جاء في موقف الكثير من الدول الصديقة.. فالمغرب هو الذي وقف بجانبكم وضحى بأبنائه لتحرير عاصمة بلدكم من النازية والاستعمار الهتليري.

تتمة المقال تحت الإعلان

لقد وقع خطأ جسيم – في نظرنا – لما سمح لكم بإلقاء محاضرة في الحرم الجامعي وأمام جمهور من المثقفين والطلبة، يتمثل فيما يلي: هل حصلتم على إذن من وزارة الخارجية التي تشرف على أنشطة الدبلوماسيين قبل خروجها لحيز الوجود؟ هل اطلعت عمادة الكلية على موضوع المحاضرة بنصها قبل إلقائها؟  إن إلقاء محاضرة من سفير معتمد حول سياسة الدولة التي هو معتمد فيها، يخالف ما ورد في “اتفاقية فيينا” من جهة، ومخالف للتقاليد والأعراف الدولية من جهة أخرى، فشرح السياسة الخارجية لدولة من سفير معتمد فيها، ينطوي على اعتداء صارخ على حق رئيس الدولة في شرح السياسة الخارجية لبلاده، وأقول لك أيها السفير أن رئيس جمهوريتكم حاول أن يخاطب الشعب المغربي مباشرة، وبدون حياء تجاهل ملك المغرب الممثل الشرعي للشعب المغربي، وفشلت تلك المحاولة، لكنها تكررت عن طريق تنفيذ خطة ترمي إلى مخاطبة المثقفين في حرمهم الجامعي، بمحاضرة تتضمن معلومات مضللة ومخالفة لما سجله التاريخ من صفحات سوداء بسبب سياسة بلدكم التي لازالت متمسكة بالعقلية الاستعمارية، وأن مغرب 1912 هو مغرب 2024، وأن المغرب يجب أن يبقى قزما ولا يتعامل مع جيرانه في إفريقيا السمراء.

قلنا إن محاضرة السفير الفرنسي فيها خرق لمقتضيات الأعراف الدبلوماسية وتقاليدها العريقة وبروتوكول المجاملة، يقول الأستاذ أحمد حلمي إبراهيم في كتابه “الدبلوماسية: البروتوكول الإتيكيت المجاملة” ما يلي: “المجاملة ليست لها قواعد مكتوبة، بل هي إحساس الشخص بأن ما يأتيه من تصرف سيدخل السرور والشعور بالرضى إلى نفس الغير”، والشخص الناجح في مجاملته هو الذي يتمكن من أن يصل إلى قلب الآخرين ويحتل مكانة لديهم، ومحاضرة السفير لوكورتيي نزلت كالصاعقة بسبب تزوير الوقائع، وتقديم بيانات مخالفة للحقيقة، وجرح الشعور الوطني للمغاربة، وتجاهل ما قاساه المغرب ولازال بسبب سياسة فرنسا وكشفت عن بعضها جريدة “الأسبوع”، حينما أشارت إلى جريمة فرنسا في حق جيش التحرير المغربي بالصحراء المغربية سنة 1958، وعندما باعت فرنسا للمغرب أسلحة بأسعار مرتفعة خلال حربه مع البوليساريو واشترطت عدم استعمال طائراتها في الصحراء، وأن الجيش الفرنسي تدخل ضد البوليساريو لحماية موريتانيا وليس لحماية المغرب، ولما فاز فرنسوا ميتران بالانتخابات الرئاسية دعت فرنسا إلى تقرير المصير في الصحراء المغربية.. ألم تشعر يا سعادة السفير بحرج لما قلت في محاضرتك أن الجيش الفرنسي سلح نظيره المغربي، بل وتدخل عسكريا ضد الجبهة الانفصالية؟

أولا، لم يكن الجيش المغربي نظريكم في يوم من الأيام، لأن الجيش المغربي له تربية وتقاليد وأعراف إسلامية وإنسانية، ولم يسبق له أن استعمر دولة، ولا شن حربا عدائية، هل كنتم تلقون محاضرة على صنم في صورة بشر؟ ألم تكن واعيا أنك أمام مثقفين ملمين بتاريخ بلادهم وبتاريخ بلادكم، والفرق بينهما شاسع جدا؟ أما بالنسبة لـ”اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية”، المبرمة في 18 أبريل 1961، فقد جاء في مقدمتها: ((وإذ تقتنع الدول الأطراف في هذه الاتفاقية بأن إبرام اتفاقية دولية في العلاقات والمزايا والحصانات الدبلوماسية، يساهم في تدعيم العلاقات الودية بين البلاد أيا كان الاختلاف بين نظمها الدستورية والاجتماعية))،  ومحاضرة السفير الفرنسي زادت في تعميق الأزمة بسبب قلب أحداث التاريخ،  كما ذكرت في المادة 3 من الاتفاقية مهام البعثة الدبلوماسية، ومنها ((الإحاطة بكل الوسائل المشروعة بأحوال الدولة المعتمد لديها وبتطور الأحداث فيها، وموافاة حكومة الدولة المعتمد بتقرير عنها))، والوسائل المشروعة تحرم تزوير الأحداث وقلب الحقائق، والافتخار بأحداث خيالية وفيها جرح لعواطف ومشاعر شعب الدولة المعتمد لديها، والوقوف ضد الشؤون الداخلية، وعرقلة المساعي الوطنية، وتنص المادة 9 على أنه ((للدولة المعتمد لديها في أي وقت وبدون ذكر الأسباب، أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس بعثتها أو أي شخص عضو من أعضائها الدبلوماسيين، أصبح شخصا غير مقبول أو غير مرغوب فيه))، أما المادة 25، فتنص على أنه ((للدولة وليس المؤسسات أن تمنح المعتمد لديها كل التسهيلات اللازمة لقيام البعثة بمهامها، وليس من المهام إلقاء المحاضرات المشوهة لتاريخ الدولة المعتمد لديها)).

إن مجرد زيارة سفير لمؤسسة من مؤسسات الدولة يجب مقدما إشعار وزارة الخارجية بتاريخ تلك الزيارة، وقد جاء في كتاب “الدبلوماسية والبروتوكول” للدكتور سموحي فوق العادة، مدير التشريفات بوزارة الخارجية السورية (الصفحة 21)، وتحت عنوان عريض: “واجبات الممثل الدبلوماسي بند 3 الاستئذان فيما يراد نشره”: ((هناك قاعدة عامة تحتم على الممثل السياسي أن يستأذن الدولة المعتمد لديها في كل ما يريد نشره عنها من كتب ومقالات، وعليه أن يستأذن حكومته فيما يريد نشره من دراسات تتعلق بالسياسة العامة))، فهل طلب السفير الفرنسي الإذن من وزارة الخارجية المغربية، وسلم لها نسخة من محاضرته؟ وهل طلب الإذن من عمادة كلية الحقوق ليلقي تلك المحاضرة واطلعت العمادة على النص الكامل للمحاضرة؟

لا شك أن حكومته سمحت له بذلك ليجد جبهة ويخاطبها مباشرة بعدما فشل رئيس دولته في مخاطبة الشعب المغربي مباشرة، وأن يحاول السفير بمعلومات مغلوطة ترميم العلاقات المتدهورة بين المغرب وفرنسا، وتلك العلاقات لن ترمم ولن تعود لمجراها الطبيعي إلا بالاعتراف بمغربية الصحراء الغربية والشرقية، وتغيير سياسة التدخل في الشؤون المغربية، والاقتناع بأن مغرب 2024 ليس هو مغرب 1912، ورجال ونساء المغرب سنة 2024 ليسوا رجال ونساء سنة مغرب 1912، لذلك نأمل من السفير لوكورتيي، أن ينكب على دراسة تاريخ المغرب، وماضيه المجيد، ومكانته الدولية، وننصحه بما ورد في المرجع السابق ذكره وفي الفقرة المتعلقة بسلوك الممثل وجاء فيها: ((يسعى الممثل جهده لأن يجعل حياته الخاصة فوق الشبهات، وأن يصونها من كل ما يجعلها عرضة للتهجمات، والانتقادات اللاذعة، والسخرية المهنية))، لا سيما وأن أخباره تتسرب بسرعة في الأوساط التي يرتادها، وأن يطلع على كتاب نشره “النادي الدبلوماسي المغربي” بتاريخ أبريل 2007 بعنوان: “الدبلوماسية المغربية ورهانات المستقبل ـ 1956ـ 50” ليقف على المغرب وعلاقات الجوار والتضامن، والمغرب وعلاقات الشراكة، والمغرب في المحيط الدولي، وعلى صورة للسلطان مولاي الحسن وهو يستقبل سفيرا أجنبيا معتمدا لدى جلالته، وصورة للوحة بريطانية تمثل السفير المغربي محمد بن حدو أعطار، سفير السلطان إسماعيل لدى الملك البريطاني شارل الثاني سنة 1093هـ/ سنة 1682م، أي أن المغرب ارتبط بعلاقات دبلوماسية مع بريطانيا منذ 342 سنة.. فهل كانت جبهة البوليساريو وقوتها الشرقية الضاربة لهما وجود في ذلك العهد؟ وكيف كانت علاقة بلدكم مع بريطانيا منذ ثلاثة قرون ونصف؟ بل كنتم تبحثون عمن يصنع العطور لينقذ العاصمة من هبوب ما ألم بها، وأنتم تعرفون أيها السفير سبب البحث عن كيفية صنع العطور وما هي وظيفة العطور في معالجة ما يزكم الأنوف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى