الرأي

الرأي | الأزمة السودانية.. وجه آخر من أوجه الهشاشة السياسية في إفريقيا

بقلم: جميلة حلبي

    إن المتتبع للحرب الدائرة في السودان حتما سيلمس وجه الهشاشة السياسية في هذا البلد الإفريقي الغني بالموارد، لكنه فقير من حيث تدبير سياسة البلاد، حيث لا تفتأ النزاعات تمزق الكيان السوداني الذي دمرته الحروب الأهلية والنزاعات على السلطة منذ أمد بعيد. 

فبالرجوع إلى التاريخ السياسي لهذا البلد الواقع في الشمال الشرقي للقارة الإفريقية، فإننا نجده مرتبطا بالانقلابات العسكرية، كما لا بد من التذكير بأن السودان عرف استعماره من طرف النظام المصري العثماني، ثم من طرف بريطانيا.. فقبل سنة 1821، تاريخ استعماره من طرف مصر بقيادة محمد علي المصري العثماني، كانت السودان مقسمة إلى عدة دويلات كل واحدة مستقلة بذاتها سياسيا وعسكريا، غير أن ما كان يطبعها بين الفترة والأخرى هو نشوب نزاعات فيما بينها بدافع التوسع، حيث تسعى كل دويلة لفرض قوانينها ونظامها على الإمارات المجاورة، وبعدما فرض محمد علي سيطرته على البلد، عمل على بناء جيش كبير بالاعتماد على المماليك السودانيين في محاولة لتثبيت دعائم دولة مصرية قوية كان ينوي فصلها عن التبعية للإمبراطورية العثمانية، وهكذا، فقد اعتمد الحكم المصري العثماني للسودان على العسكر، الذين تولوا فرض السلطة بالقمع والقوة، مما كان سببا في عدة ثورات، أبرزها “الثورة المهدية” بقيادة أحمد بن عبد الله الملقب بـ”المهدي”، الذي تمكن من القضاء على الاستعمار وأعلن انفصال السودان عن مصر والدولة العثمانية سنة 1885، وأسس دولة استمر حكمها فقط إلى سنة 1898، عندما عادت مصر للتوغل عسكريا في السودان وهذه المرة تحت حماية بريطانيا، ومن تم القضاء على الدولة المهدية وإقامة سلطة جديدة، كانت بدورها عسكرية.

ومنذ استقلال السودان عن الاستعمار البريطاني سنة 1956، عرفت البلاد ثلاث انقلابات عسكرية، كلها قلبت السلطة رأسا على عقب وحكم هؤلاء الجنرالات البلاد بقبضة من حديد، وهذا ما كان يولد بين الفينة والأخرى أزمات سياسية تؤدي مباشرة إلى قلاقل وحروب أهلية، أطولها الحرب الأهلية الثانية التي بدأت سنة 1983، بعد 11 عاما من الحرب الأهلية الأولى (1955-1972)، ودارت رحاها في جنوب البلاد أو في منطقة الحكم الذاتي الذي يعرف بجنوب السودان، وهي إحدى أعنف الحروب في القرن، حيث راح ضحيتها ما يناهز المليونين من المدنيين ونزوح أكثر من 4 ملايين، ولم ينته الصراع رسميا إلا بعد توقيع “اتفاق نيفاشا للسلام” سنة 2005، وبموجبه تم اقتسام السلطة والثروة بين السودان برئاسة عمر البشير، وقوات الحركة الشعبية لتحرير السودان برئاسة جون قرنق.

لكن هذا التقسيم للسلطة لم يرس سفينة السودانيين في بر الأمان، واستمر البشير في إحكام قبضته على السودانيين إلى أن انفجرت مظاهرات شعبية مطالبة بتنحيته عقب تعميق الأزمة السياسية والاجتماعية بالبلاد، وتدهور القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، مما كان سببا في انقلاب المجلس العسكري عليه سنة 2019، بقيادة وزير العدل عوض بن عوف، وعزله عن السلطة، وحل كل مؤسسات الدولة، وبعد ذلك قام بن عوف بتمرير السلطة إلى الجنرال عبد الفتاح البرهان، هذا الأخير لم تهدأ البلاد منذ تولى زمام الحكم..

وها هي السودان تشهد حربا أهلية ثالثة، منذ شهر أبريل 2023، طرفاها عبد الفتاح البرهان الذي قام بحل مجلس السيادة الذي كلف بإدارة المرحلة الانتقالية، واعتقل المسؤولين السياسيين المدنيين في فترة البشير، وفرض نفسه كرجل للمرحلة الجديدة، والطرف الثاني ليس إلا قائد قوات الدعم السريع، الجنرال محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الذي ظل داعما له فيها، وذراعه في أغلب خطواته، إلى أن بدأت تتسرب الخلافات في العلاقات بين الرجلين، تحولت إلى الصراع العسكري المستمر دون أفق إنهائه رغم جميع الوساطات..

تعنت الفرقاء السياسيين/ العسكريين في السودان لم تنفع معه أي وساطة ولو لهدنة من أجل مساعدة المدنيين وإيصال المساعدات للمتضررين جراء الحرب المستعرة، وقد دقت منظمة الأغذية العالمية – في تقرير لها الشهر المنصرم -ناقوس الخطر بعد المستوى غير المسبوق الذي وصلت إليه الساكنة، وقالت في هذا الشأن أن أغلب السودانيين يعانون من الجوع، وفقط 5 % من السكان من يستطيعون تأمين وجبة غذاء كاملة يوميا..

وفي موضوع الوساطة، فمباشرة بعد احتدام المعارك بين طرفي النزاع، كانت هناك وساطة سعودية أمريكية – ولا زالت قائمة – للتوصل إلى اتفاق إصلاح الأوضاع، غير أنه يتم خرق كل هدنة تم التوصل إليها وسرعان ما يتم تبادل إطلاق النار وكل جهة تتهم الأخرى بمبادرة الحرب، غير آبهين بمعاناة المواطنين، ولا بالأزمة الاجتماعية التي خلقها صراع الطرفين من أجل التحكم في السلطة، علما أن الحرب بدأت على إثر توصل المجلس العسكري وفرقاء أمنيين إلى قرار إبعاد قوات الدعم السريع من الحكم رغم مشاركتهم لعبد الفتاح البرهان في الانقلاب على حكم عمر البشير، الشيء الذي أثار حفيظة “حميدتي”، وكان ما كان إلى أن وصلت الأمور إلى الباب المسدود، حيث لم تنفع أي وساطة في تهدئة الأوضاع، آخرها دخول عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الليبية المؤقتة، على الخط، وإعلانه عقد اجتماع وساطة – بإيعاز من الولايات المتحدة الأمريكية حسب وسائل إعلام – بين قائد قوات الجيش السوداني وقائد قوات الدعم السريع، حيث استقبلهما في ليبيا، هذا البلد الغريق بدوره والغارق في الفرقة السياسية منذ سنة 2011، تاريخ القضاء على نظام معمر القذافي، وحسب ما صرح به الدبيبة، فقد كانت وساطته من أجل “تقريب وجهات النظر بين الأطراف السودانية لإحلال السلام والاستقرار في السودان”..

فأي هشاشة سياسية أكثر مما يعيشه السودان على مدى قرون؟ فرغم تعاقب الاستعمار بمختلف مشاربه، ورغم الاستقلال.. إلا أن النزعة العسكرية لا تفارق حكام هذا البلد الذي يتوسط القرن الإفريقي، منبع القلاقل، ودائما تبقى الشعوب تدفع ضريبة الانتماء إلى بلدان حكامها همهم الأوحد هو التحكم في زمام السلطة، رغم أن هذه الأوضاع تخدم بالدرجة الأولى أجندات خارجية تسعى دائما إلى التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان تحت ذريعة عدم استقرار الأوضاع وحماية المدنيين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى