الرأي

الرأي | تراجع مستوى الصحافة يضع السلطة الرابعة على المحك..

بقلم: جميلة حلبي

    يتخبط قطاع الصحافة والإعلام في جملة من المشاكل وتعترض طريق نزاهته عدة عقبات.. فبينما تعمل الوزارة الوصية والأجهزة المعنية على إخراج القطاع من الأزمة التي تطوقه والرسو بالسلطة الرابعة في بر الأمان في ظل استمرار إشكالية الدعم المادي حتى لا تقفل مقاولات صحفية أبوابها وما يترتب عن ذلك من أزمة اجتماعية، هناك بعض المواقع يمكن أن نقول إنها فارغة من حيث المحتوى بسبب الأخبار التي ينشرونها، فهي إما أن تكون خاطئة، وهذا موضوع آخر يستوجب تدخل السلطات المعنية بالتصدي للأخبار الزائفة، أو أن هذه الأخبار تكون غير ذات أساس صحفي، يريد أصحابها فقط البحث عن “البوز” وجمع أكبر عدد من “اللايكات” والمشاركات، وعدد القراءات..

لم يكن يدر بخلد المفكر الإيرلندي إدموند بيرك (1729-1797) عندما أطلق لقب السلطة الرابعة على الصحافة، اعتبارا لدورها في التأثير في المجتمع ولما لها من دور في تنوير الشعب، لم يكن يدري أن تصل إلى ما وصلت إليه من تقهقر على مستوى الجودة، وهنا لا نعمم، فقد عرف تاريخ المهنة أقلاما لا تنضب بعطائها الغزير إن على المستوى العربي أو في المغرب، والأمثلة عديدة من هؤلاء الصحافيين الذين بصموا على تاريخ لا زال ينهل منه صحافيو اليوم..

فالكل يعلم قواعد الكتابة الصحافية عندما يتم الولوج لمعاهد الإعلام والتواصل، لكن السؤال الذي يطرح نفسه: ما الذي يجعل الصحفي يحيد عن الهدف الذي وجد من أجله الإعلام؟

الجواب حتما يملكه أولئك الذين يقدمون أخبارا خاوية لا تقدم ولا تؤخر، فمثلا ترتبط بعض الأخبار برؤساء حاليين أو سابقين لفرق رياضية رغم أن الموضوع تكون له علاقة بأمور أخرى، لا لشيء إلا لأن صاحب الخبر يبحث عن “البوز” اعتبارا لعدد المتابعين للشخص المعني ولأن الرياضة يتابعها عدد كبير من الناس، ومن ذلك أيضا اعتبار حمل اللاعب إبراهيم دياز لقميص المنتخب الوطني “قضية وطنية” وهناك من رقاها إلى “قضية دولة”، وهنا تكمن الخطورة، حيث يتم تضليل القراء بأخبار لا تمت بصلة للخبر الحقيقي، هذا فضلا عن التفاهة التي لا تنضب وهي تجر وراءها ملايين التافهين الذين يتميزون بسطحية الفهم.. أخبار عن اللباس وعن الأكل والطبخ والتسوق، وغيرها من الأشياء التي تبقى في الأول والأخير أمورا شخصية لأصحابها ولا تهم الآخرين في شيء، لكن يتم بها استغلال سذاجة وقصور الوعي لدى فئات عريضة، في ضرب خطير للأهداف المعرفية والثقافية التي وجدت من أجلها مهنة الصحافة، التي يمكن أن نقرنها بالحصافة، والحصافة لغة هي “رأي لا خلل فيه”، والحصيف من “استخدم عقله وجاد رأيه”، وهذا ما لا تقوم عليه معظم الأخبار التي أصبحت تعج بها بعض المواقع، مما يطرح أزمة بنيوية في القطاع ويسائل أصحاب تلك المواقع، لأن الصحافة هي مرآة للدولة تعكس صورة البلاد خارجيا أكثر من الداخل، والآن ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي بشكل كبير في الترويج للأخبار المتداولة.

ولقد كان للصحافة دور أساسي في تاريخ المغرب اجتماعيا وسياسيا، فمنذ نشأتها سنة 1820 وظهور أول جريدة ناطقة بالعربية سنة 1889، وهي “المغرب”، حيث كانت الجرائد التي تصدر وقتها يقودها رجال الحركة الوطنية، من خلالها يحثون المواطنين على لعب أدوار إيجابية ضد المستعمر، وبعد الاستقلال، ظهرت جرائد أسستها أحزاب سياسية ونقابات، لعبت أدوارا طلائعية في تأثيث المشهد السياسي والإعلامي لفترة ليست بالوجيزة، وأرست قواعد الصحافة ببلادنا، ومن خلالها لعبت المعارضة دورها في مواجهة السلطات، وبقيت السلطة الرابعة بين المد والجزر خلال فترة الستينات والسبعينات وحتى الثمانيات، إلى أن أخذت توجها آخر بعد تضييق الخناق عليها، فأخذت معظم الجرائد تتحرر من النمط السابق قبل أن تضربها الأزمة منذ بداية الألفية وإلى اليوم.. لكن الصحافة والإعلام لم يعرف هذه السقطة إلا بعد أزمة “كورونا”، التي كان لها دور في وصول الصحافة الورقية لمرحلة الاحتضار، لتركب الموجة صحافة المواقع، التي لم تستطع مجاراة الورقي من حيث القيمة النوعية للخبر أو المقال، ولذلك أخذت تتخبط خبط عشواء في سباق – ربما – مع الزمن لنشر أي شيء دون التحري من صدقية الخبر، فعديدة هي الأخبار التي تفتقر للقيمة التي تجعل منها مصدرا يمكن أن يلجأ إليه طالب باحث مثلا، أو تلميذ لاستقساء حقيقة معينة أو معلومة، وهكذا باتت مواقع إخبارية في حالة شرود عن مهنة تنافس السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، فهي لم تتم تسميتها بالسلطة الرابعة إلا لدورها في نشر المعلومة الصحيحة والبحث الاستقصائي الذي يبقى مرجعا، ولو لم تكن كذلك لما صمدت في وجه الأزمات السياسية والحروب الكبرى لما يزيد عن قرنين من الزمن، لذلك، ومن هذا المنبر الصحفي الجاد، وانطلاقا من مرجعيته ومرجعية مؤسسه، القيدوم الراحل مصطفى العلوي، الذي أسس للصحافة الجادة منذ ستينات القرن الماضي، ولا زالت مؤلفاته وحقائقه مصدرا لكل باحث، نرجو ونأمل أن يتخذ المسؤولون عن القطاع خطوات – وليس خطوة – من أجل تنقية المهنة من كل ما يعيق صيرورتها وإصرارها على الانعتاق وهي تعيش الآن في الإنعاش ماديا، فلا يجب ترك المجال مشرعا أمام من يعمل على إدخاله للإنعاش معرفيا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى