الرأي

رأي | ظهور الحشرات الجنائية ودورها في الكشف عن الجريمة 

إذا كان للكلاب منذ القدم دور مشهود في حماية الإنسان وممتلكاته تطور باستخدامه في التحقيقات الجنائية في تعقب معالم الجريمة وأثار المجرم، فإن كائنات حية لكن ضعيفة منها المرئية ومنها المجهرية، انضمت إلى الإنسان في نفس العملية الرامية إلى وقاية الكائن البشري والبيئة، وهي أيضا لا تعرف الكذب في عملها ولا تستطيع أن تشهد بالزور.. والحديث هنا عن ما يسمى الحشرات الجنائية.

بقلم: أبو جاد غيثة

تتمة المقال تحت الإعلان

تتمة المقال تحت الإعلان

    إن علم الحشرات الجنائي أو علم الأحياء الجنائي (Forensic Entomology)، هو العلم الذي يستخدم على حياة الحشرات (Insect Biology) في التحقيقات الجنائية، كما يمكن تعريفه بأنه العلم الذي يطبق علم أحياء الحشرات في التحقيقات الجنائية، حيث يستخدم الحشرات للكشف عن ملابسات القضايا الجنائية للمساعدة في حل غموض الجرائم، ولعل ذلك يرجع إلى التطبيقات المتعلقة به، والتي تتمثل في التالي: 

1) وقت وسبب وكيفية ومكان الوفاة؛ 

2) معرفة ما إذا كان قد تم نقل الجثة بعد الوفاة أو تحريكها بعد اكتشافها؛ 

3) معرفة ما إذا كانت على الجثة جروح وأماكنها؛ 

4) تحديد مكان المشتبه به في مسرح الجريمة. 

ويذكر في التاريخ، أن أول استخدام للحشرات في التحقيقات الجنائية كان في الصين عام 1235، لكشف لغز مقتل مزارع صيني على إثر قتله بمنجل، فما هي إلا دقائق معدودة حتى تجمع الذباب حول أحد المناجل، وهنا تم التعرف على المجرم الحقيقي، بفضل الذباب الذي جذبته رائحة الدم التي بقيت على مستوى المنجل رغم اختفائها عن رؤية العين واجتهاد الفاعل في طمسها. 

وقد نشر المحقق تزو سونغ، لأول مرة، في كتاب: The washing way of life، سنة 1247، هذه الحادثة، وغيرها من الدراسات والأبحاث التي قام بها على الجثث قبل وبعد الدفن، فشكلت هذه الوقائع مرحلة هامة في نشأة علم الحشرات الجنائي. 

كما أسهمت التجارب العلمية الشهيرة التي قام بها الطبيب الإيطالي، فرانشيسكو ريدي، عام 1668 على اللحوم المتعفنة المكشوفة ومنها المحمية جزئيا ومنها المغطاة كليا، حيث لاحظ أن اللحوم المكشوفة ظهرت عليها يرقات الذباب خلافا للحوم المحمية، التي لم تتعرض للجو فلم تظهر عليها تلك اليرقات، وكان في بداية التجربة قد لاحظ غزو الذباب الأزرق للحوم المتعفنة المكشوفة، وبهذه الدراسة قضى على نظرية القول بأن يرقات الذباب تخرج تلقائيا من اللحوم المتعفنة في ظل الظروف المناسبة لها بدون الحاجة إلى الذباب الذي يضع عليها بويضاتها. 

وفي عام 1855، قام الطبيب BERGERET’ARBOIS بتطبيق “الحشرات الجنائي” على قضية جنائية، وتم نشرها كـ”تقرير حالة” (Case report)، واعتبر ذلك أول تطبيق جنائي فعلي لعلم الحشرات الجنائي، حينما اكتشف زوجان يعيدان عرضهما في منزلهما في باريس بقايا طفلة محنطة وراء قطعة الموقد، وسقط الشك على الفور على الزوجين، رغم أنهما لم ينتقلا إلى ذلك المنزل إلا حديثا، ليتم جمع الحشرات المتواجدة على الرضيع، حيث تبين أنها تدل على حالة من التحلل تعود لعدة سنوات ماضية، وبالتالي، فإن الذنب ألقي على قاطني المنزل السابقين وليس على المتواجدين وقت اكتشاف الجثة. 

ونشر MEGNIN في فرنسا سلسلة من المقالات حول علم الحشرات الجنائي في الفترة ما بين 1883 و1898، وتوالت بعد ذلك الأبحاث في علم الحشرات الجنائي وتطبيقات فرعه بشكل مكثف إلى أن أصبح علماء علم الحشرات الجنائي جزء أساسيا في التحقيقات الجنائية في كثير من بلدان العالم في عصرنا الحالي. 

أما على صعيد العالم العربي، فقد اشتركت السعودية وسوريا في عام 2009 في إقامة حلقة علمية موضوعها: “تطبيقات علم النبات وعلم الحشرات في الكشف عن الجريمة” قامت بتنظيمها كلية علوم الأدلة الجنائية بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، بالتعاون مع اتحاد الأطباء الشرعيين العرب والرابطة السورية للطب الشرعي. 

إن اكتشاف استخدام الحشرات في المجال الجنائي، أعطى نقلة نوعية في مكافحة الجريمة وفك لغز العديد من الجرائم المجهولة والعالقة، بالإضافة إلى تحديد والتعرف على مرتكبيها، وذلك من خلال تحليل المختصين لجسد الحشرة وخلاياها ومحتويات معدتها، حيث تمكنوا من التوصل إلى أسباب الوفاة، وفي حالات أخرى إلى الحمض النووي للجثة، وبالتالي تحديد هويتها من خلال الحشرات والتي سبق للجاني أن طمس معالم الجثة وتشويهها. 

وسنعرض بعض الأحداث الواقعية والتجارب العلمية التي كانت الحشرات فيها الشاهد الأول على إثبات الجريمة والكشف عن فاعلها في قضايا حدثت في مختلف بقاع العالم: 

* أدين قس بقتل زوجته، لأن الخبراء وجدوا في حذائه نملة عمرها ثلاثة أيام تعود إلى مستوطنة للنمل وجدت جثة زوجته قربها قبل ثلاثة أيام بالضبط. 

* ادعى رجل أنه وجد شقيقته منتحرة خنقا من خلال ربط رقبتها بحبل مثبت بنافذة غرفتها المفتوحة، ولكن بفحص الجثة لم يجد الخبراء أثرا للذباب، مما دل على أن النوافذ كانت مغلقة في آخر إحدى وعشرين ساعة، فاعترف بقتلها. 

* وفي الولايات المتحدة الأمريكية، كشفت الحشرات عن سيدة قتلت زوجها، حينما أخبرت الشرطة في التحقيقات الأولية أن زوجها كان لديها أمس في المنزل بينما أثبت خبير الحشرات، أن دود الجثة مرت عليه أربعة أيام، مما اتضح معه كذب الزوجة وبتضييق الخناق عليها، اعترفت بالجريمة. 

* حدث في ولاية تكساس الأمريكية بعد العثور على جثة، أن اكتشف خبراء الحشرات أنها قتلت في غابات لولاية أخرى في أمريكا، لأن بيض الحشرات الموجود داخلها لا يعيش إلا في هذه المنطقة. 

انطلاقا من هذه النبذة عن الحشرات الجنائية، نأمل أن يفعل علم الحشرات الجنائي في حل القضايا الجنائية في بلدنا أسوة ببقية دول العالم، خاصة بعد ارتفاع مستوى الجريمة، مع دمج هذا العلم في المناهج الدراسية للجامعات كأداة مهمة للحصول على نظرة ثاقبة في التحقيق الجنائي، وبالتالي الوصول إلى مرتكبي الأفعال الإجرامية، وبهذه الآية الكريمة ننهي هذا المقال، قال الله تعالى بعد بسم الله الرحمن الرحيم: ((هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه)) صدق الله العظيم. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى