الرأي

الرأي | قراءة أولية في كتاب “انتفاضة 22 أكتوبر بالخميسات”..

بقلم: بنعيسى يوسفي

    شهدت منطقة زمور عامة وعاصمتها الخميسات خاصة، أحداثا ووقائع جد مهمة إبان الاستعمار الفرنسي الإسباني للمغرب، وبالرغم من أن هذه الأحداث غيرت الكثير من المعطيات في الميدان ومنها من أثر تأثيرا واضحا في تشكيل معالم مقاومة شرسة لهذا الاستعمار، وألهمت العديد من مناطق المغرب لتحذو حذوها وتقتفي أثرها، إلا أنه – للأسف – لا زالت هذه الأحداث منطمرة في إسَّار التهميش واللامبالاة، ولا زالت تحتاج إلى من يسلط عليها الأضواء ويميط عنها النقاب أكثر حتى يطلع أبناء هذا الوطن على مرحلة جد مهمة من تاريخ بلدهم الحديث، وعلى شجاعة وبسالة أجدادهم في طرد المستعمر، الذي لم يكن يهنأ له بال أمام تحركات وثورات المقاومين التي أرقته وأرهقته، الشيء الذي يجعله أكثر من مرة يستبد به الفشل والعجز في وضع حدّ لها، حيث كلما كشَّر هذا المستعمر عن أنيابه لافتراس المقاومة وقمعها والتنكيل برموزها بأساليب مختلفة، كلما كان رد المجاهدين عنيفا وهكذا دواليك في سلسلة من التجاذبات والتطاحنات والاقتتال على مدار سنوات طوال لم تنل من عزيمة وإصرار هذه المقاومة ودحر المستعمر وأذنابه إلى غير رجعة، ولعل من بين الأحداث البارزة في هذا السياق، انتفاضة 22 أكتوبر1937، التي كانت مدينة الخميسات مسرحا لها، وهي انتفاضة لم يلتفت إليها الباحثون والدارسون في المجال التاريخي وغيره بالقدر الكافي رغم أنها تمثل حدثا بارزا في سيرورة المقاومة الزمورية للاستعمار الغاشم، والتي وصل صداها إلى مختلف جهات المغرب، ولما كانت هذه الانتفاضة بهذه الأهمية التاريخية، كان لا بدّ من النبش عميقا في تفاصيلها وملابساتها وكل الظروف المحيطة بها، وكيف انطلقت شرارتها الأولى، والسياق العام الذي أتت فيه وما الذي تمخض عنها ؟ وغيرها من الأسئلة المرتبطة ارتباطا وثيقا بهذا الحدث المفصلي في تاريخ المقاومة الزمورية.. كل هذه المعطيات وغيرها هي التي دفعت الدكتور مولود عشاق إلى العودة لهذا الحدث وإخراجه إلى دائرة الأنوار والنقاش وترتيب حلقاته بعدما تلاشى في غياهب النسيان، وطغت عليه أحداث أخرى اعتبرت كبيرة رغم أنها ربما لا ترقى إلى مستوى هذا الحدث الذي نتحدث عنه، فنالت حظا وافرا من الاهتمام وأصبحت مادة دسمة للمؤرخين والباحثين، لا لشيء سوى لأن الذين قد كانوا أو ساهموا فيها من فئات اجتماعية معينة أو ذات انتماء معين، وهذا ما يمكن أن نسميه بالحيف التاريخي، هذا الحيف الذي يتجلى في الاهتمام بالتأريخ لمنطقة دون غيرها وصرف أموال على دراسات وأبحاث على مناطق بعينها وإهمال أخرى بقصد أو عن غير قصد، وهكذا حينما تقلِّب صفحات التاريخ الرسمي تجد إشارات واضحة لثورات أو لتمردات معينة بالتفاصيل المملة، ولكن في نفس الوقت تكاد لا تجد أثرا لانتفاضة 22 أكتوبر 1937 بالخميسات، وهذا ما ينسحب حتى على بعض الكتب التاريخية التي كان من ورائها باحثون ومؤرخون كبار، وكأن هذه الثورة تبدو حدثا معزولا لا يرقى إلى مستوى الحدث التاريخي الكبير، وإن كان العكس هو الصحيح، فالدكتور مولود عشاق، الذي راكم تجربة كبيرة في تقليب الحقل التاريخي الزموري بشكل خاص، يرجع إليه الفضل في انتشال بطريقة علمية وممنهجة تاريخ منطقة زمور في إطار مونوغرافياته الرائعة، فلولاه لما بقي التاريخ الزموري مشتتا ومتشظيا بين ثنايا حفريات في الذاكرة أو في بطون كتب نال منها الغبار وأخذ منها كل مأخذ، معتمدا في ذلك على إمكانياته الذاتية ومجهوداته الفردية، ولولاه لما علمنا شيئا عن شيء اسمه انتفاضة الخميسات، ولم يتوقف الأمر عند الدكتور عشاق بالتعريف بهذه الانتفاضة، بل أفرد لها كتابا قيما خرج حديثا إلى المكتبات تحت عنوان: “انتفاضة 22 أكتوبر بالخميسات.. السياق والتداعيات” يمثل جوهرة أخرى في العقد الذي نسج دكتورنا أيقوناته بعناية منذ زمن ليس باليسير، ولكم أن تتصوروا المجهودات الكبيرة التي بذلها الدكتور في التدقيق في لحظة تاريخية حاسمة في سياق المقاومة الزمورية والتي تزامنت مع مجموعة من الأحداث الأخرى التي لا تقل أهمية عن هذا الحدث، ويتعلق الأمر بالتحديد بما يطلق عليه بالظهير البربري، وما عاناه من تجميع كل المعطيات التي تخص هذا الحدث هنا وهناك، ومساءلة واستنطاق كل ما يمكن أن يقوده إلى اختراق السياج الشائك الذي يلف هذه المرحلة عله يظفر بما قد يشكل قيمة مضافة لكشف المزيد من خيوط ومتاهات هذا الحدث المتميز الذي يجعل من مدينة الخميسات مدينة مقاومة بامتياز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى