الرأي | عندما ينحرف التضامن عن سكته الحقيقية


وأنا أتتبع أخبار التضامن الشعبي اللامتناهي مع القضية الفلسطينية، وخصوصا مع أحداث غزة الراهنة.. صادفت خبرا لإمام وخطيب المسجد الحرام، الشيخ عبد الرحمان السديس، رئيس الشؤون الدينية للمسجد الحرام والمسجد النبوي، يحذر فيه بقوة من رفع أي علم أو شعار تضامني في رحاب الحرمين الشريفين، وجاء ذلك على إثر توقيف معتمرة – قيل إنها تركية الجنسية – كانت ترفع العلم الفلسطيني وتهتف تضامنا مع غزة، وقال السديس: “لا شعار في الحرمين الشريفين إلا شعار التوحيد.. أنتم أتيتم للعبادة وليس لرفع الشعارات والهتافات.. لا تأخذكم العاطفة، رجال الأمن بالمرصاد لكل من يرفع شعارات سياسية في الحرمين الشريفين”، وأكد إمام الحرم المكي أن “أمن الحرمين الشريفين خط أحمر، فهو مكان للعبادة.. أنتم يا زوار بيت الله أتيتم للعبادة ولا تنصرفوا لغير العبادة”..
وقد جاء ذلك الحادث قبل أيام من شهر رمضان الأبرك، الذي تشهد فيه رحاب المسجد الحرام أداء مناسك العمرة بشكل كبير، وقبل ثلاثة أشهر وبضعة أسابيع من موسم الحج، وطبعا لم يكن تحذير السديس إلا لصون حرمة الأماكن المقدسة باعتبارها البقعة الأكثر قداسة وأكبر تجمع لمسلمي العالم، وليس للنضال أو التضامن مع قضية معينة.
فما وقع يخرج عن المسار الصحيح للتضامن، هذا إن لم يكن له دافع آخر.. فلولا ضبط النفس لأخذ الموضوع أبعادا أخرى، إذ لا يجب خلط السياسة بالدين، بل يجب الإبقاء على أماكن العبادة بعيدة عن أي ممارسة للسياسة ولو في شقها النضالي أو التضامني.
إن خلط الأمور الدينية بالسياسية دائما ما تنتج عنه اصطدامات بين رجال الدين والسياسة، بين من يدافعون عن فكرة “تديين السياسة” ومن يدافعون عن فصل الدين عن السياسة، علما أن هذه الإيديولوجية كانت قائمة منذ عقود، لتنبعث من جديد مع موجة ما سمي “الربيع العربي”، حيث تصدرت واجهة الأحداث الحركات الإسلامية التي تنادي بالقطع مع أنظمة الحكم العلمانية أو الملكيات، وهذا ما تأتى لبعضها في بعض الدول، غير أن التجربة باءت بالفشل وهي لا زالت في مهدها(..).
لكن رفع علم فلسطين بجانب الكعبة في الظروف الراهنة، وما تعرفه المنطقة من مد وجزر في إطار النظام العالمي الجديد الذي لم يرس قواعده بعد، في ظل استمرار الحرب الروسية الأوكرانية واحتدام العدوان الصهيوني على قطاع غزة، ومن جهة أخرى المناوشات التي يعرفها البحر الأحمر في إطار تأكيد القوة بين الشرق والغرب، لم يكن بريئا من جهة صاحبة فكرة “التضامن” الخاطئة في الزمان والمكان، مما يطرح السؤال على السلطات السعودية التي ربما تساهلت في السنين الأخيرة مع المعتمرين والحجاج حتى أخذت بعض المظاهر التي تخدش قدسية المكان تتسلل بين الفينة والأخرى؟ وها هي السعودية تدفع ثمن انفتاحها، بعدما لم يكن أحد يجرؤ على الإساءة لمكان كان يذهب إليه المسلمون للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى و”غسل ذنوبهم”، ليصبح مشرعا أمام أصحاب النوايا التي تخدم مصالح البعض، من يدري..
فكلنا متضامنون مع الشعب الفلسطيني في محنته التي عمرت طويلا جدا، وإنما يجب “تجبيد” الأذنين لمن يحتاج إلى التذكير بأن النضال من أجل قضية معينة له مكانه، وأن التضامن له مكانه، بل يجب الحفاظ على مسافات طويلة بين أماكن العبادة ومواقع السياسة حتى لا يكون ذلك سببا آخر في أزمة جديدة للأمة الإسلامية أكثر من الأزمات التي تعيشها.
فكما حدث أن تم رفع علم فلسطين تضامنا مع القضية الفلسطينية، يمكن أن تنتقل العدوى إلى أماكن مشابهة، والجميع يعلم أن هناك جهات تترصد مثل هذه الفرص للزج بمثل هذه العناصر في قضايا من شأنها أن تحدث قلاقل، وهو ما دفع بالشيخ السديس إلى تحذير شديد اللهجة لمن تسول له نفسه تخطي الهدف الديني المحض الذي من أجله تنظم العمرة والحج، بالقول: “أمن الحرمين الشريفين خط أحمر لا يمكن المساس به، فهو مكان للعبادة وليس للشعارات السياسية”.
فماذا لو لم تكن امرأة واحدة هي التي رفعت علم فلسطين وشعارات تتضامن مع غزة، وكان هنالك مجموعة من الأشخاص؟ فقد تكون الصورة أشبه بمسيرة كالمسيرات التضامنية في الشوارع، وبعد تدخل عناصر الأمن، ربما كانت الأمور ستتطور إلى حادثة تحدث شرخا كبيرا في الدور الذي من أجله يوجد المسجد الحرام، وربما أزمة دبلوماسية بين البلدين، علما أن هذه الحادثة لن تمر مرور الكرام، وربما تم طيها لحصر الموضوع في حاثة منعزلة كي لا تكون لها تداعيات(…).



