الرأي

الرأي | الحروب بالوكالة في البحر الأحمر

بقلم: جميلة حلبي

    أعادت الأحداث المؤلمة التي تعيشها فلسطين إلى الواجهة أهمية البحر الأحمر كمحور للتجارة العالمية، اعتبارا لعدد السفن التي تمر منه، وذلك بعد حادثة الاستيلاء على سفينة إسرائيلية في عرض البحر ردا على العدوان الإسرائيلي على الفلسطينيين عقب عملية “طوفان الأقصى”، حيث أعلن الحوثيون يوم 16 نونبر 2023، عن إغلاق معبر “باب المندب” والمياه المحيطة به في وجه السفن الإسرائيلية، كما منعوا مرور جميع السفن المتجهة من وإلى الموانئ الإسرائيلية، وهاجموا العديد من السفن الأجنبية أثناء عبورها للمنطقة بالصواريخ والطائرات المسيرة..

لقد خلق إغلاق مضيق “باب المندب” في وجه الملاحة العالمية أزمة في التجارة الدولية، فهو من أهم المعابر المائية في العالم، برزت أهميته بعد افتتاح قناة السويس سنة 1869، حيث أصبح ممرا بحريا للتجارة الدولية يصل بين شرق آسيا وأوروبا، إذ يمتد من المحيط الهندي إلى خليج عدن مرورا ببحر العرب وعبر “باب المندب” إلى البحر الأحمر ثم البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس، وازدادت أهميته لما يوفره من جهد ووقت وتكلفة مادية، وأصبح يتمتع بحركة ملاحة كثيفة في كلا الاتجاهين، إذ تمر به معظم أنشطة التبادل التجاري بين آسيا وأوروبا، ونحو 10 في المائة من حركة الملاحة العالمية، واكتسب هذا المضيق أهمية اقتصادية كبيرة مع ظهور النفط في الخليج العربي، نظرا لقدرته على استيعاب السفن الضخمة وناقلات النفط بسهولة..

تتمة المقال تحت الإعلان

وبالرجوع إلى بلاغات مجموعة الحوثي، التي تقول بأنها تستهدف البواخر الإسرائيلية والغربية، والأمريكية على الخصوص، في تضامن مطلق مع الفلسطينيين وما يتعرضوا له من إبادة على يد الاحتلال الصهيوني، يظهر أن ذلك لا يعدو أن يكون خلطا للأوراق السياسية بالمنطقة، بعد أن تضررت عدد من الدول العربية المجاورة.. فقد سبق للحوثيين أن صعدوا من هجماتهم على السفن التجارية العربية سنة 2014، بعد عملية “عاصفة الحزم” التي شنها التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية دفاعا عن شرعية النظام اليمني بقيادة الرئيس عبد ربه منصور هادي، واستمرت تهديدات جماعة الحوثي للبواخر المارة عبر البحر الأحمر وبلغت أوجها سنة 2022، مما دفع القوى الدولية المعنية إلى تأسيس ما سمي “قوة المهام المشتركة 153 الدولية” من أجل تأمين الملاحة وطرق التجارة التي تمر عبر “باب المندب” وخليج عدن.

تتمة المقال تحت الإعلان

ومع استمرار تعنت الآلة العسكرية الإسرائيلية بالمنطقة، واصل الحوثيون اعتراض السفن التجارية، وهو ما نتج عنه توقيف شركات شحن دولية عن مزاولة نشاطها التجاري بالبحر الأحمر، وسلك طرق أخرى تستغرق وقتا طويلا ومسافات أطول، وبالتالي كلفة أكثر، وهذا كله انعكس ولا زال ينعكس سلبا على نتائج التبادل التجاري، وفي ظل هذه الوتيرة المتصاعدة، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية، يوم 18 دجنبر الماضي، عن مبادرة تأسيس قوات متعددة الجنسيات سمتها “حارس الازدهار” بهدف ردع هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وبالمقابل، وبعدما أرست أمريكا بواخرها وحاملات الطائرات بالبحر الأبيض المتوسط تحت ذريعة دعم إسرائيل، قررت الصين إرسال أسطول من عدة سفن إلى المنطقة، وبالضبط إلى خليج عدن، مما أعطى بعدا آخر للأزمة السياسية /التجارية.. فهل نشهد حربا مباشرة أمريكية صينية في المنطقة بعد تصعيد التوتر بين القوتين العظميين في العقد الأخير، علما أن الشرق الأوسط تعتبره أمريكا “منطقة نفوذ تاريخي” لها؟

تتمة المقال تحت الإعلان

الأيام أو الشهور القادمة هي الكفيلة بتوضيح الصورة ما لم يدخل لاعب آخر رقعة الميدان، خاصة بعدما لم تنجح المساعي الدبلوماسية في الضغط على إسرائيل لإيقاف حربها الهوجاء ضد المدنيين العزل، كما لم تتدخل الجهات الداعمة لجماعة الحوثي من أجل رفع يدها عن محور التجارة العالمية بالبحر الأحمر، خاصة بعد تضرر عدة دول لا تعتبر معادية لأي طرف، وهو ما يعطي الانطباع بأن اللعبة لا تخرج عن كونها عملية إعادة ترتيب الأوراق السياسية في مسار النظام العالمي الجديد، والقضاء على رغبة أمريكا في تحقيق حلم “الشرق الأوسط الكبير” من خلال آلتها العسكرية، إسرائيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى