الرأي

الرأي | معضلة التعليم وآفة دروس الدعم

بقلم: جميلة حلبي

    ونحن نتابع الفوضى التي يتخبط فيها التعليم العمومي ببلادنا، وجب طرح سؤال أساسي وسط هذه الزوبعة التي أحدثها الأساتذة والمعلمون وهم يطالبون بتسوية وتحسين وضعيتهم المادية، وتمت الاستجابة لمطالبهم لإخراج القطاع من عنق الزجاجة، محقون أم لا.. فأهل مكة أدرى بشعابها، ومن حق كل متضرر أن يشتكي ويحتج ويطالب، لكن السؤال العريض الذي يطرح نفسه: ما مستوى التعلم الذي يتلقاه التلاميذ؟ أو ما الذي يلقنه الأساتذة للتلاميذ حتى أصبح معظم التلاميذ يلتجئون لدروس الدعم؟

إن المستوى المعرفي أو مستوى الإدراك لدى شريحة واسعة من التلاميذ في السنوات الأخيرة، تلاميذ التعليم العمومي، بات يطرح سؤال جودة التعليم من حيث الكم والكيف، وهذا المشكل هو الذي خلق دروس الدعم أو ما يسمى بالساعات الإضافية، والتي غالبا ما يؤديها نفس الأستاذ لنفس التلاميذ خارج أوقات الحصص الدراسية.

ولنأخذ المسألة بالتبسيط اللغوي ونحلل معنى ذلك بأن “الدعم” في اللغة العربية من فعل: دعَمَ، يَدعَم، دَعْمًا، فهو داعِم، والمفعول مَدْعوم، دعم الشخص: أعانه وقوَّاه وسانده، بمعنى أن هناك طرفا يحتاج للدعم في مساره التعليمي حتى يتمكن من الفهم ويستوعب الدروس جيدا لكي يجتاز امتحاناته بنجاح، لكن ما دور المؤسسة التعليمية إن لم تكن قادرة على تعليم التلاميذ ودعمهم حتى يتمكنوا من الإدراك الجيد وتطوير مستواهم لاجتياز امتحاناتهم بنجاح؟

فقد باتت دروس الدعم والساعات الإضافية معضلة مجتمعية حقيقية، فهي ماديا تثقل كاهل الأسر، خاصة إذا علمنا أن هناك من يقدم هذه الدروس على شكل حصص فردية، وبالطبع الثمن يكون مرتفعا مقارنة مع الحصص الجماعية،

وقد أرغمت احتجاجات الشغيلة التعليمية هذه السنة معظم الأسر على إكمال أبنائهم للدراسة عن طريق دروس الدعم، لكن الذي يحصل أن هذه الدروس تعطى ليس فقط في مدارس معدة لذلك، وإنما حتى في المنازل، مما يزيد من محنة أولياء الأمور، الذين يضطرون لمرافقة أولادهم، لكن هل هذه الطريقة في الدعم تفي بالغرض المنشود؟ ربما نعم، وفي كثير من الأحيان يطرح مشكل الاكتظاظ والتوقيت المعتمد، إذ غالبا ما تكون الساعات الإضافية ليلا، بعدما يكون التلميذ قد قضى يومه كاملا في المؤسسة التعليمية، وبالتالي، فمنطقيا لا يمكنه استيعاب ما يتم تلقينه له في هذه الساعات الإضافية، وكل هذا يسائل دور المؤسسة التعليمية ونجاعة الأستاذ والمعلم في إعطاء الدروس.

لماذا لا يستوعب التلميذ الدروس حتى يلجأ إلى دروس تدعم مستواه خارج الحصص المعتمدة قانونيا؟

الجواب حتما عند الأساتذة، وعند مدراء المؤسسات التعليمية، وعند نيابات التعليم ومن خلالها المفتشين ودورهم للوقوف على جودة التعليم، وقبل كل هؤلاء، هي مسؤولية الوزارة الوصية، فعندما كان الأساتذة يطالبون في احتجاجاتهم وإضراباتهم عن العمل بما طالبوا به، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها حتى تمت الاستجابة لهم، لم يكن أحد يتكلم عن مستوى التعليم وجودة التعلمات ومستوى الإدراك لدى التلاميذ، فالملاحظ خلال السنوات الأخيرة، أن الأغلبية الساحقة من الأساتذة عوض تكثيف الدروس، يراكمون كما كبيرا من الواجبات المنزلية للتلاميذ، والمفروض إنجازها في المنزل ليلا، مما يشكل عبئا كبيرا عليهم وعلى أسرهم، وبالتالي يقوم الآباء بـ”رمي” أولادهم في غيابة الساعات الإضافية طمعا في تحسين مستواهم، وهكذا يبقى التلميذ يدور في دوامة لا تعطي نتيجة إيجابية في معظم الحالات، وتبقى قضية تراجع التعليم ببلادنا قائمة ما لم يتم الوقوف على مستوى الأساتذة وتكوينهم بالشكل القادر على تخريج أجيال واعية مثقفة تكون قادرة على تحمل المسؤولية وولوج سوق الشغل بكل كفاءة، أما أن تبقى دار لقمان على حالها، فهذا لا يمكنه إلا أن يعطينا تعليما مشلولا لا يفي بالمهمة التي من أجلها وجدت المدرسة، وبالتالي وجب استئصال الداء من منبعه، فبالنظر إلى مكانة التعليم على المستوى العالمي، نجده يحتل الرتبة 58 وفق مؤشرUs news، كما يحتل مراتب متأخرة في مختلف التصنيفات، ولم يتم تصنيف المغرب في مؤشر شنغهاي لسنة 2023، مثلا – وهذا التصنيف للإشارة يعتمد مستوى الجامعات – في حين سبقتنا إلى التصنيف دول كان مستوى التعليم عندها إلى عهد قريب متأخرا، لماذا؟ لأن مستوى التعليم ببلادنا آخذ في التراجع منذ مدة ليست بالقليلة دون العمل على تطويره ليس شكلا ولكن من حيث المضمون، وطبعا التعليم الجامعي يكتسب ضعفه من ضعف التعليم الثانوي والأساسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى