الرأي

الرأي | بعد إعلان توقف الإضرابات.. أي مستقبل للنقابات التعليمية ؟

بقلم: بنعيسى يوسفي

    تشكّل الإضرابات والاحتجاجات التي خاضتها الشغيلة التعليمية هذه السنة بحجمها وقوتها غير المتوقعة، نقطة تحول وعلامة فارقة ومفصلية جدا في تاريخ المسار النقابي في المغرب، إلى درجة يمكن اعتبار ذلك في التأريخ النقابي، بمثابة نهاية مرحلة وبداية أخرى جديدة، ذلك أن هذه الإضرابات حركت مياها راكدة ورمت بحجر ثقيل في بركتها الآسنة، وخلّفت وراءها أسئلة عميقة وجوهرية، ومشهدا يقف المرء أمامه مشدوها ومندهشا، يجعله يطرح معها الأسئلة المؤرقة والمحيرة التالية: ألهذا الحد نزل المستوى النقابي في المغرب بعد سنوات من التجربة والخبرة النقابية التي تمت مراكمتها؟ أيبدو من المنطقي أن تستقر الأمور على هذا الحال؟ من ساهم في رسم هذه الصورة البائسة للعمل النقابي في المغرب؟ من له المصلحة في إضعاف مؤسسات دستورية، الكل يعلم الدور الذي تلعبه في استتباب الأمن وترسيخ السلم الاجتماعي في البلاد؟ هل المسألة هي تحصيل حاصل لسنوات التدبير المرتجل والعشوائي وغير العقلاني وغياب الرؤية والتصور النقابي الذي من المفروض أن تكون هذه النقابات تمتلك مقوماته وأسسه، أم أن هناك مؤثرات أخرى قاهرة لا تتيح كل الإمكانيات للبصم على ممارسة نقابية جادة، يمكن أن تجعل النقابة مؤسسة قوية مهابة الجانب قادرة على الصمود أمام الهزات والارتجاجات التي يمكن أن تستهدفها بين الحين والآخر؟

أسئلة كثيرة حارقة حقيقة أفرزها السياق الأخير الذي مرت منه النقابات، والتي بات ضروريا الإجابة عنها بشكل شفاف وموضوعي ولو استدعى الأمر تنظيم يوم دراسي لمناقشة كل هذه المشاكل التي تتخبط فيها هذه النقابات والأسباب الحقيقية التي جعلتها تفقد الكثير من قوتها ومصداقيتها.

تتمة المقال تحت الإعلان

إن التأسيس لمرحلة جديدة في الممارسة النقابية اليوم، ينطلق أولا من القطع مع الأساليب التقليدية والبالية التي دأبت هذه النقابات على انتهاجها في الدفاع والمرافعة عن قضايا ومتطلبات الشغيلة، ومحاولة استيعاب أن هناك مرحلة جديدة أخذت تتأسس معالمها الأولى مع الإضرابات الأخيرة، التي أظهرت مما لا يترك مجالا للشك، أن هناك جيلا جديدا من الشغيلة له طموحات كبيرة وأهداف وتصورات جديدة للعمل النقابي، وأنه قادر على خوض معارك نضالية ويسير فيها إلى أبعد مدى، ويحتاج إلى خطاب مقنع بعيد عن الدوغمائية أو الديماغوجية، خطاب صريح وواضح يجيب عن اهتماماته ومشاكله ورهاناته، ولذلك بات من الضروري أن تلتقط النقابات التعليمية كل هذه المتغيرات وأن تخرج للاستماع بعناية لهموم ومشاكل ومتطلبات هذه الشريحة الواسعة من موظفي الدولة، وأن تقترب منهم أكثر في انسجام وتناغم تام معها، وتكثيف التواصل معها، وألا تبقى حبيسة مكاتبها ولا تخرج إلى العلن إلا حينما تحين أوقات الحوارات القطاعية أو المركزية، وليعلم الكتاب أو الأمناء العامون الذين يرأسون هذه النقابات، أن عددا كبيرا من الشغيلة لا تعرف حتى أسماءهم، ولولا خروجهم المتكرر في الأيام الأخيرة بالموازاة مع النقاش الحاصل بخصوص النظام الأساسي لبقوا في دائرة المجهول، وهذه كلها مؤشرات تنذر بأن المستقبل النقابي في المغرب لن يكون سهلا، الشيء الذي يستدعي إيجاد استراتيجيات أخرى أكثر فاعلية وخلق آليات وميكانيزمات جديدة للاشتغال والتأطير تكون قمينة بتذويب الخلافات الكبيرة التي حصلت بين النقابات والشغيلة التعليمية، إلى حد أن هذه الأخيرة تبرأت منها وقطعت معها شعرة معاوية التي تربطهما، وإعادة الروح إلى علاقتهما التي يبدو أنها وصلت إلى الحضيض.

تتمة المقال تحت الإعلان

فالنقابات أمست مطالبة بالعمل على  استعادة الثقة التي فقدتها فيها الشغيلة التعليمية بسبب تدبيرها الكارثي لملف “النظام الأساسي”، والتي ظهرت فيه مسالمة مهادنة بدون “مخالب”، ولولا النضال المستميت لنساء ورجال التعليم واصطفافهم في تنسيقيات والصمود المنقطع النظير، لكانت الكارثة أكبر ولأصبح الأستاذ خاضعا ينفذ تعليمات من هو أعلاه سلطة، لذلك، على المؤسسات النقابية أن تقوم بتقييم شامل للمرحلة الماضية ومناقشة الحصيلة بإشراك الفاعلين الأساسيين المعنيين، وتقبل النقد بأريحية وسعة صدر، ورصد الاختلالات والأخطاء التي تم ارتكابها قصد تجاوزها في المستقبل، فيبدو غير مسموح نهائيا السباحة في النهر مرتين، وإلا سيكون المصير أسوأ من هذا الذي وصلت إليه الآن.

في النهاية، وهذا هو الأهم، كيف ستتعامل هذه النقابات الآن مع هذه التنسيقيات التي تأسست تزامنا مع مشكلة “النظام الأساسي”، وخاصة إذا علمنا أن عددا منها يتأهب لتأسيس نقابات مستقلة، هذا فضلا عن التقارب الذي يبدو واضحا بينها وبين بعض الأحزاب السياسية التي ما فتئت تبدي رغبتها للعب دور الوساطة في حل قضية التوقيفات الجائرة التي تعرض لها بعض نساء ورجال التعليم على خلفية الإضرابات والاحتجاجات الأخيرة.. فهل ستقف النقابات مكتوفة الأيدي وهي ترى قواعدها تيمِّمُ وجهها شطر جهات أخرى، أم لا بد أن تبادر وتقوم بمحاولات لرأب الصدع وتذويب الخلاف بينهم، وإن كان الأمر حقيقة يبدو جد صعب في هذه الظرفية بالذات؟ وماذا يمكن أن تقدم هذه النقابات لهذه القواعد حتى يتم إقناعها لإرجاع الوضع إلى سابق عهده؟

لا شك أن الأمر يشكّل تحدّيا كبيرا لهذه النقابات مستقبلا، وآن الأوان لتقديم الحساب، ولا سبيل للتخلص من هذا التحدي والخروج منه بسلام إلا بتقديم أجوبة صريحة لكل المشاكل التي جعلتها تصل إلى هذا الحد من الضعف والوهن، والعمل على صياغة تعاقد جديد مع الشغيلة تكون قادرة على الالتزام به، عدا ذلك، فإن مستقبلها بدون شك سيكون غامضا، وعليها أن تنتظر الأسوأ في أقرب استحقاق انتخابي مقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى