الرأي

الرأي | المدونة.. فهمتني ولا.. لا

بقلم: عبد الرفيع حمضي

    كل المتابعات والمتابعين لعمل لجنة مراجعة مدونة الأسرة – منذ أول اجتماع لها يوم السبت 30 شتنبر 2023 – يسجلون حجم الرأسمال الزمني الذي استثمر في جلسات الاستماع المخصصة لكل من له علاقة من قريب أو بعيد بالموضوع، أي كل أصحاب المصلحة، حسب لغة الصكوك الدولية، حيث تم الاستماع إلى بعض المؤسسات العمومية كمجلس الجالية المغربية المقيمة بالخارج، والمجلس الوطني لحقوق الإنسان… إلخ، وكذلك للهيئات الممثلة لبعض المهن المرتبطة بالأسرة أو العدالة، إضافة إلى الأحزاب السياسية والمنظمات النقابية والعشرات من الجمعيات المدنية والائتلافات الترافعية، سواء على قضايا حقوق الإنسان بشكل عام أو قضايا محددة كالطفولة والنساء والأسرة، وكل التصريحات الصحفية البعدية للمستقْبَلِين، أكدت على الأجواء الممتازة التي مرت فيها اللقاءات، من خلال تكافؤ العناية التي تتعامل بها اللجنة مع المستمع إليهم .

أما على مستوى النقاش العمومي، فقد انطلق منحرفا قبل بداية تكوين لجنة المراجعة، وفي الأسابيع الأولى لعملها، بفعل الترويج لعدد من الإشاعات عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ساهمت في تغذيتها الخرجات غير المسؤولة لبعض نجوم “الدعوة” بالفضاء الأزرق، إلا أنها كانت أسابيع معدودة قبل أن يعود النقاش إلى مساره الطبيعي، خاصة بعد التأطير الملكي للموضوع، بأن “المراجعة تستهدف أساسا وحدة الأسرة وتقويتها كنواة للمجتمع، بناء على القيم النابعة من الدين الإسلامي الحنيف، مع إعمال آلية الاجتهاد البناء لتحقيق الملاءمة مع المستجدات الحقوقية ، ومع القيم الكونية ذات الصلة”، حسب ما ورد في الرسالة الملكية الموجهة إلى المشاركات والمشاركين في الندوة الدولية التي نظمها المجلس الوطني لحقوق الإنسان يومي 7 و8 دجنبر 2023، بمناسبة مرور 75 سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.. وهكذا نظمت وانعقدت ندوات ولقاءات بجميع ربوع المملكة من طرف فعاليات متعددة المشارب، فكرية وسياسية، حول الموضوع، وكانت خلاصاتها ومخرجاتها تصب في جميع الاتجاهات.. من ضرورة المزيد من تبسيط مسطرة الزواج وتحديد سنه في 15 سنة كحد أدنى مع تيسير التعدد، مثنى وثلاث ورباع، إلى تجريم الزواج لأقل من 18 سنة، ومنع التعدد، وفتح المجال للزواج المدني، ومراجعة قواعد تدبير التركة.

تتمة المقال بعد الإعلان

كل هذا يمر عموما في جو من النضج المجتمعي، يؤكد أن المجتمع المغربي مجتمع التوافقات حول القضايا الخلافية الكبرى.. باستثناء “كلام” غريب اختزل مذكرة – ليست مقدسة طبعا – لمؤسسة وطنية ودستورية، ووصفها بالمذكرة المارقة، إضافة إلى تفريد التهجم وتشخيصه، مع ما يخلقه هذا الهذيان من بيئة طبيعية للكراهية، ولم لا إلى العنف .

كل هذا واللجنة المكلفة بمراجعة المدونة لا زالت في مرحلة الاستماع والتوصل بالمذكرات، ولم تبلور رأيها ومقترحها بعد، والذي سيتولى رئيس الحكومة لاحقا (بداية أبريل) عرضه على جلالة الملك، قبل إحالته كمشروع قانون على السلطة التشريعية للتداول بشأنه داخل قبة البرلمان من أجل اعتماده، وبالتالي، فنحن في مرحلة الخلاف والاختلاف وتعدد الآراء والمواقف والتوجهات، والمرجعيات المتنوعة والمتعددة والمتناقضة والمتعارضة.

وكمجتمع متحضر، فإن تدبير كل هذا لا يتم في سياق ثنائية المؤمن والكافر، والوطني والخائن، كما هو الحال في وضعية المجتمع الهمجي، على حد تعبير الطبيب والكاتب الكبير والناشط السياسي علاء الأسواني، حيث يقول: “في المجتمع الهمجي توجد حقيقة واحدة معتمدة دينيا وسياسيا يفرضها الحكام ورجال الدين.. الإنسان الهمجي يعتبر كل من لا يؤمن مثله بالحقيقة المعتمدة، كافرا بدينه أو خائنا لوطنه، ويمارس ضده أسوأ أنواع القمع الذي يبدأ من الاتهامات الباطلة وتشويه السمعة، وقد يصل إلى حد الاغتيال”.

تتمة المقال بعد الإعلان

وفي الأخير، إذا عدنا إلى مصطلح “المارقة”، فهو لا أثر له في كتاب “روض العاطر في نزهة الخاطر” لصاحبه أبو عبد الله محمد بن محمد النفزاوي، وإنما هو مصطلح له دلالته في الخطاب السياسي الأمريكي بالأساس، حيث البيت الأبيض يصف جل الدول المعارضة له بالمارقة، لأنها تهدد السلم العالمي في زعمه و.. و.. و.. وهو استعمال دعائي صرف، لكن نعوم تشومسكي في كتابه القنبلة “الدولة المارقة”، والذي جر عليه هيجان اليمين الأمريكي، قام ببناء تحليل تركيبي لوقائع وأحداث دولية قادته إلى استنتاج موضوعي يجعل الولايات المتحدة الأمريكية على رأس الدول المارقة، لاستهتارها بالقانون الدولي، ولحمايتها للاستبداد في العالم مقابل مصالحها الاقتصادية الصرفة.

 

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى