الرأي

رأي | فلسطين وكذبة حقوق الإنسان

عادة ما يزيد الاهتمام بخطاب “حقوق الإنسان” عندما يتعرض شعب من الشعوب أو جماعة بشرية في بقعة ما، لانتهاكات واعتداءات على حقوقهم الطبيعية، ويتعاظم هذا الاهتمام أكثر حينما يتم تدويل الخبر على نطاق أوسع، عن طريق وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي، فيتحول من مشكل محلي أو إقليمي إلى قضية دولية تعني كافة المجتمع الدولي والمنظمات ذات الصلة بالموضوع، بل إن ذلك يغدو قضية إنسانية تعني كل إنسان كذات فردية، يمسها في إنسانيتها وشعورها وكرامتها وحقوقها الطبيعة المكفولة شرعيا وقانونيا، ويتم التعبير عن هذا الشعور الجماعي الإنساني من خلال المظاهرات والاحتجاجات الشعبية الجماعية التي تجوب الشوارع العالمية للتنديد والتعبير عن الغضب الإنساني نظير ما تتعرض له الإنسانية من بشاعة القتل والحرمان والتدمير في ذلك الإقليم.

بقلم: ذ. محمد جباري
أستاذ باحث في التاريخ والفكر

    إن الحقيقة التي لا يجادل فيها أحد، هي أن فلسطين تعد أكثر القضايا إثارة للرأي العام العالمي لقاء ما يمارس عليها من بشاعات ووحشيات لاإنسانية تضرب في صميم “الحقوق الإنسانية” و”الضمير الإنساني الحي”، يضاف إلى ذلك، كونها القضية التي ما فتئت تسائل المجتمع الدولي والمنظمات الأممية، وتؤكد فشلهم، وبالأحرى “عدم جديتهم وإرادتهم” في إيجاد حل نهائي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وتأسيس الدولة الفلسطينية الحرة المستقلة، على غرار باقي دول العالم، فهل هذا صعب للغاية؟ وإذا كان كذلك، فلم لم يكن الحال كذلك عندما مُكّن الكيان الصهيوني من تأسيس وطن قومي بفلسطين، والمسارعة إلى الاعتراف به ومساندته كـ”دولة مشروعة”؟

من المعلوم أن “حقوق الإنسان” مقولة غربية بامتياز، لم تكن الغاية منها كما يدعي الغرب، المنافحة الأخلاقية والقانونية عن حقوق الإنسان المقهور في الدول الأخرى، ولكن الواقع أن حقوق الإنسان تعد ورقة سياسية وإيديولوجية للتدخل في الشؤون الداخلية والسيادة الوطنية للدول، خاصة تلك الرافضة للتوجيهات والإملاءات والسياسات الغربية والتي تسمى “الدول المارقة”، بهدف ترويضها وتركيعها واستتباعها للنظام الغربي.. “إنها بالتأكيد سلاح إيديولوجي وسياسي نافذ لفرض الهيمنة وإقرار حق التدخل” (محمد سبيلا)، بيد أن ثمة ملاحظة جديرة بالذكر، وهي أن الغرب يتناول خطاب حقوق الإنسان بسياسة “ازدواجية المعايير”، فعندما يتعلق الأمر بالدول الغربية وحلفائها الحقيقيين، مثل أوكرانيا وإسرائيل وغيرها، يسارع الغرب إلى إشهار ورقة حقوق الإنسان، وإلصاق التهم الجاهزة بالطرف الآخر، وهو ما حصل ويحصل فعلا في موقف الغرب من الأزمة الأوكرانية، حيث يتم نعت العمليات العسكرية الروسية بـ”الإرهابية” و”جرائم الحرب”، والدعوة لتصنيف الرئيس بوتين كـ”مجرم حرب”، فيما يسوغ للأوكرانيين حق الدفاع عن النفس بكافة الأسلحة والطرق، والأمر نفسه كذلك يتكرر في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، عندما تفسر كل الهجمات الصهيونية البشعة والمقززة بأشد الأسلحة دمارا وفتكا، على المدنيين والأطفال والمستشفيات والمدارس والبنيات التحتية… إلخ، بأنها حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها!؟ في مقابل – وهذا هو الأنكى- اعتبار المقاومة الفلسطينية منظمة “إرهابية”، فأي عدالة دولية هاته؟ وبأي منطق يفكر الغرب، غير منطق التعصب والانحياز والازدواجية المفضوحة؟

تتمة المقال تحت الإعلان

لهذا نسائل الغرب الذي ينصب نفسه “حارس حقوق الإنسان”.. أليس الفلسطينيون “إنسانا”؟ أليس لهم حق العيش وحق الحياة وحق الحرية وحق العدالة وحق المساواة وحق التعبير وحق الدفاع… إلخ؟ لماذا تنتفي الموضوعية في خطاب حقوق الإنسان عندما يتعلق الأمر بفلسطين، وتتكالب عليها الآلة الصهيونية المتوحشة، وتستباح الدماء والحرمات، وتدمر المقدسات الدينية، وتهضم الحقوق التاريخية حول قضية أرض وهوية؟ ألسنا هنا إزاء سياسة الانتقائية والعنصرية واللاديمقراطية يا “عواصم الديمقراطية”؟ أين الشعب الفلسطيني من مفاهيم الحرية والعدل وحق تقرير المصير؟ لماذا يسود صمت رهيب وردود “باردة” تجاه ما يلحق هذا الشعب الغارق في دمائه منذ سنة 1948، من سطو على ترابه، وتهويد لمقدساته، وقصف لصدور شبابه وأطفاله، وتدمير لمؤسساته المدنية؟ هل مات ضمير العالم يا ترى؟ وبأي معنى نتحدث عن حوار الأديان والثقافات والحضارات وإشاعة السلام العالمي.. وثمة شعب أعزل لا يزال يذبح ويقتل وينكّل به على مرأى ومسمع من “العالم المتحضر”، وهنالك أرض ما يزال الاستعمار الصهيوني جاثما عليها؟

هكذا يبدو أنه كلما تعلق الأمر بإسرائيل، غُيّب خطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبرز “خطاب الدفاع عن النفس”، فوفق هذه المعادلة التي تدار وتختار أرقامها من الغرب، يصبح المظلوم ظالما، والمعتدي بريئا، والعكس صحيح.

فلسطين وحق تقرير المصير.. السؤال العالق

تتمة المقال تحت الإعلان

    بادئ ذي بدء، نشير إلى أن قانون حقوق الإنسان يعلو على جميع القوانين الدولية والوطنية، وبالتالي، فإن الدول المخالفة لهذا التشريع توضع موضع “المساءلة أمام الأمم المتحدة من ناحية، وأمام مؤسسات دولية رقابية، سواء كانت هذه المؤسسات عالمية مثل مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، واللجنة المعنية بحقوق الإنسان، أو اللجان والمحاكم الإقليمية” (الشافعي، محمد بشير، “قانون حقوق الإنسان”).

بطبيعة الحال، يندرج مبدأ وحق تقرير المصير ضمن المبادئ التي ينص عليها قانون حقوق الإنسان، إذ تنص المادة الأولى من العهدين الدوليين على أنه ((لكافة الشعوب الحق في تقرير المصير، ولها، استنادا لهذا الحق، أن تقرر بحرية كيانها السياسي، وأن تواصل بحرية نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، كما لها أن تتصرف بحرية في ثروتها ومواردها الطبيعية، كما أنه على جميع الدول الأطراف في الاتفاقية الحالية، بما فيها المسؤولة عن إدارة الأقاليم التي لا تحكم نفسها بنفسها أو موضوعة تحت الوصاية، أن تعمل من أجل تحقيق حق تقرير المصير، وأن تحترم ذلك الحق تماشيا مع نصوص ميثاق الأمم المتحدة)).

وقد أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1960، عن منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمَرة، وفي عام 1961، أنشئت لجنة لتصفية الاستعمار، وشجعت الشعوب المستعمَرة على ((التحرر بكل الوسائل بما في ذلك استخدام القوة”، وسوغت لها أيضا نهج الكفاح المسلح من أجل تحقيق حريتها وإنشاء دولها المستقلة ذات السيادة)).

تتمة المقال تحت الإعلان

وتجدر الإشارة إلى أن حق تقرير المصير كان مثار صراع ونقاش طويل في المفاوضات الإسرائيلية – العربية حول حق فلسطين في تقرير مصيرها وبناء الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود 1967، وما يزال هذا المطلب محل تجاذب بين الإسرائيليين والفلسطينيين، الذين يجدون فيه الملاذ والحق الذي يكفله القانون الدولي للشعوب المستعمرة والمقهورة، غير أن هذا الحق يواجه إشكالية التنزيل والتجسيد العملي، بسبب تعنت الطرف الإسرائيلي، وعدم جديته في إنهاء الصراع على أساس حل الدولتين، القائم على التوافق والتراضي، والحقيقة أن المجتمع الدولي أيضا لا يريد حل القضية الفلسطينية وإحلال السلام في الشرق الأوسط، فلو أراد بالفعل إنهاء وتسوية هذه المسألة، لفعل ذلك منذ زمن، ولنفذت إسرائيل ما يطلب منها وهي صاغرة ذليلة، فليس من المنطقي أبدا أن تعجز الدول العظمى، التي تدير خيوط النظام العالمي بدقة ومنهجية وبالقوة أحيانا، عن إنهاء هذه القضية.

والحال أن موقف الغرب من القضية الفلسطينية هو موقف مبني على سبق إصرار وترصد، وعلى النفاق السياسي وازدواجية المعايير، ولنعد قليلا إلى التاريخ لنستخلص أنه لا يمكن أن ننتظر من دولة عظمى كالولايات المتحدة الأمريكية، التي كانت سباقة إلى الاعتراف بإسرائيل عام 1947 ومساندتها والتمكين لها في المنظمات الدولية، أن تدعم فلسطين وتنافح عن حقوقها المشروعة أمام “الابنة المدللة” للغرب: إسرائيل، هذا درس تاريخي ينبغي لنا أن نعيه جيدا في نظرتنا وتقديرنا لموقف الغرب من فلسطين، فالولايات المتحدة هي “حصان طروادة” بالمنطقة عبر إسرائيل التي تشرع لها الباب للتدخل والحضور الدائم في المنطقة.

ختاما: إن حقوق الإنسان ليست سوى “موضة سياسية”، وصناعة غربية تتغيا ممارسة نوع من “الاستغمائية على كل من يحاول أن يكشف سرها.. فهي تارة قطعة نرد أساسية في استراتيجية المصالح، وتارة أخرى مقولة أخلاقية خلاصية طهرية موجهة لإنقاذ العالم، ولإضفاء طابع رحيم على أنياب السياسة وتغليف مخالب ذئابها بجدائل من الحرير المزركش” (سبيلا محمد)، وليس الموقف الغربي من إسرائيل وفلسطين إلا تعبيرا صريحا عن هذه الازدواجية.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى