الرأي

الرأي | نزهة في متحف الدكالي (1)

بقلم: نور الدين الرياحي

    ثقافة المتاحف يسميها بعض الأدباء بالثقافة المنسية في عالمنا العربي، وأذكر أن الكاتب الكبير أنيس منصور حكى في إحدى مقالاته كيف أنه زار ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، وكيف أن الحكومة الألمانية خصصت ميزانية لترميم منزل شاعرها جوته، في عز أزمتها المالية، فرفض الشعب الألماني وقرر أن يكون الترميم بواسطة كل فرد من أفراد الشعب الألماني عن طريق الاكتتاب، ولا يهم مبلغ المساهمة في الميزانية بقدر ما يهم الشعور بأن ذلك الشاعر أو الفنان أو الأديب، هو تراث لأمة بكاملها، كما أنه ذكر بأنه إبان الحرب العالمية الثانية كان الطيارون يعتبرون المتاحف ودور الأدباء والشعراء والفنانين مناطق محمية، فغالبيتها اعتبرت مناطق محرمة عند الجيوش ولم يقصف منها إلا ما كان خطأ على سبيل الخطأ، والحقيقة، أن العرب – ربما لطبيعتهم كرحل في الصحاري يتبعون الكلأ والماء – لم تسر فيهم هذه الثقافة كما سرت الأشعار والقوافي عندهم، إلا بعد بناء حواضرهم، وبعد الفتوحات الإسلامية التي ورثوا منها متاحف قائمة بذاتها من الروم والفرس، وهو السبب الذي جعل الأمويين والعباسيين يتسابقون في اقتناء التحف والكتب والمخطوطات القديمة .

 وإذا كانت باريس اليوم تعرف بمتحف اللوفر، فإن جميع الشعوب العريقة أعطت أهمية خاصة للاعتناء بثقافة المتاحف التي استقلت بنفسها اليوم وأصبحت علما ومناهج ودراسات، بل وفلسفة بصرية ونوعا من التفكير العميق والملهم برحلة آنية على مدى عصور من الزمن، وكذلك الإحساس بأن شيئا حيا بالماضي يعيش بيننا وينقل إلينا رسائل مختلفة عن حياة الأشخاص والمجتمعات وعبقرياتهم، فالمدينة التي لا تحتوي على متحف كأنها مدينة بلا مسرح أو ملعب رياضي أو جامعة أو مسجد أو إدارة أو حديقة، أو غيرها من متطلبات الحياة، وتكاد تصبح جوفاء متهالكة منبوذة، وبدون هذه الثقافة تكاد تنعدم الروح فيها كتلك المنازل التي عبر عنها المسرحي الطيب الصديقي، والتي قال لي في إحدى المرات، أنها منازل تشكل أزمة ثقافية في البناء والإسمنت، ولعله قد صدق.

وتمنيت لو بقي هذا الفنان والصديق على قيد الحياة وزار متحف صديقه الأستاذ عبد الوهاب الدكالي معنا في افتتاحه الرسمي عشية يوم 2023.4.28، وقد اختار هذا الموسيقار الكبير بحدسه الفني الزمان والمكان لهذا المتحف الجميل، والذي – لا شك – سيكون له الأثر الكبير في المستقبل، نظرا لرمزيته الثقافية والفنية والإشعاع الذي سيكون له باعتباره ربما أول متحف يقيمه صاحبه قيد حياته ويعتني به ويختار له بدقة الفنان وعينه وإلهامه، كل ما يلزمه، وهو الذي أبحر أزيد من ستين سنة في بحار الفنون والموسيقى، وعاشر الملوك والأمراء والرؤساء وكبار الفنانين والفنانات والشعراء والأدباء والمفكرين من كافة شعوب العالم، التي كونت جمهورا معجبا بفنه الأصيل الذي نشأنا جميعا بين أحضانه، ولا زال هذا الفنان الكبير يعطي العطاء الكبير، ويكفي كيف كان يتنقل كفراشة في أركان هذا المتحف بين ضيوفه أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية، ويقطع مسافات متكررة واقفا وماشيا ومبتسما ومرحبا رفقة أسرته الكريمة التي كانت جزء منا في ذلكم الحفل البهيج، ومفسرا بذكاء كل تحفة بتاريخها، وكل ذكرى بأسباب نزولها.. حتى ملابس السهرات التي حافظ عليها لعقود من الزمان ولم تغير منها السنين، بل لم تبل وكأنها جديدة تؤرخ لجسد ومقاييس وموضة عصرها، وكأننا صغارا أمام الشاشة نترقب ظهور أناقة الموسيقار العبقري بها، وترجعنا إلى ذلك الزمان الجميل وقد أراد الموسيقار كما أشار في كلمته المختصرة أمام ضيوفه في الحفل الافتتاحي، والتي لخص فيها كل شيء، أن تكون كل قطعة في المتحف ترحب بجمهوره وفاء وامتنانا، وأنها هدية رمزية تجسد ذلك الحب المتبادل بينه وبين عشاق فنه.

تتمة المقال بعد الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى