الرأي

الرأي | “شعيبة” ومتلازمة المقهى و”الويفي”

بقلم: زهير أهل الحسين

    كعادته، ذهب “شعيبة” صباحا إلى المقهى من أجل ممارسة طقوسه الرقمية، اتخذ لنفسه مكانا استراتيجيا بالقرب من مكان شحن الهاتف، حفظ كلمة سر “الويفي” عن ظهر قلب كما حفظ نادل المقهى ما يشربه، لذلك ناوله قهوته السوداء المعتادة وسيجارتين من أجل تفتيح عينيه الرقميتين.

وضع “شعيبة” رجلا على رجل ثم أبحر في عوالمه الرقمية، عرج على جميع الفيديوهات التي توصل بها عن طريق “الواتساب”، أجاب على البعض منها، ثم انتقل إلى “الفايسبوك” و”التيك توك ” والميسنجر”، وبين الفينة والأخرى تسمعه يضحك ملء فيه على مقاطع أثارت إعجابه.

تتمة المقال تحت الإعلان

ظل “شعيبة” على هذا الحال إلى غاية سماعه صوت آذان الظهر، فتفاجأ معتقدا أن “الوقت يطير”، وطلب منه نادل المقهى بلباقة أن يؤدي ثمن المشروب وثمن السيجارتين، فتحسس “شعيبة” جيبه وأعطاه 10 دراهم.

ذهب نادل الصباح وجاء نادل الزوال، فأحس “شعيبة” ببعض الحرج عندما قام النادل الجديد بمسح الطاولة وكأنه يطلب منه تجديد الاستهلاك، فطلب منه هذه المرة كأس شاي “شمالي”، يساعده على تمديد الأشواط الرقمية إلى غاية المساء.

أحس “شعيبة” كذلك بحرج مضاعف عندما سمع صوت الكرسي، يقول له: “واش ماغاديش تكعد، راك ضبرتيني.. ونوض تخدم على راسك”!؟ فرد عليه “شعيبة” بدم بارد: “بقا تنݣر تما والله ما نوض، ماكاين ما يدار”.

تتمة المقال تحت الإعلان

أحس “شعيبة” ببعض الجوع، فذهب إلى أقرب “محلبة”، ليشتري 5 دراهم من الحرشة، مدهونة ببعض الجبن، ثم عاد مسرعا إلى مكانه ليتسمر من جديد ويبحر في عالمه الافتراضي، متقاسما ذلك مع العديد من “شعيبات”، الذين يتقاطعون معه متلازمة “الويفي” والمقهى.

اقترب المساء وأحس “شعيبة” بتنمل كبير في رجليه، نظرا للساعات الطوال التي قضاها جالسا في نفس المكان، نهض على مضض وسلم نادل المقهى ثمن المشروب وهو نفس الثمن الذي سلمه لصديقه في الصباح، أي 10 دراهم.

غادر “شعيبة” المقهى مكرها وهو يحس بغبن كبير، لأنه بمجرد ما يغادر المقهى لن يكون بإمكانه التوفر على هذه الخدمة في منزله، لذلك ضرب موعدا مع المقهى والقهوة والكرسي والطاولة غدا، بمجرد ما تفتح المقهى أبوابها.

تتمة المقال تحت الإعلان

 وما بين يوم يذهب ويوم يجيء، ونادل يأتي ونادل يمشي.. يظل “شعيبة” يعيش في حلقة مفرغة، سببها “هبل” معبوده اليومي، وقس على ذلك العديد من “شعيبات” الذين وقعوا في وحل الإدمان الرقمي، الذي ينضاف إلى الإدمانات السابقة التي يعاني منها المجتمع المغربي، مثل الإدمان على الخمر، والإدمان على القمار، والإدمان على التدخين، وفي انتظار أن يستفيق “شعيبة” من “البنج الرقمي”، تكون الرأسمالية الرقمية قد اغتنت على ظهور “شعيبة” الذي تجاوز 18 سنة، لكنه سيظل قاصرا مدى الحياة.

للإشارة، فـ”شعيبة”، كلمة متداولة في الثقافة الشعبية، تدل على كل شخص يتم التلاعب بعقله مثل ما يتلاعب الساحر بعقول الجماهير، و”شعيبة” الذي يهمنا في هذا الإطار، هو “شعيبة الرقمي” الذي يتوهم بأن العالم بين يديه بفضل الرقمنة، وما بين استيقاظ “شعيبة” من الكومة، واستعادته الوعي، تلك هي المأساة الأبدية.

تتمة المقال تحت الإعلان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى