الرأي

رأي | 2023.. السنة التي انتصرت فيها “تمغربيت”

بقلم: عبد الله بوصوف

    واظبت العديد من المعاهد الفكرية ومراكز البحث العلمي ومؤسسات حكومية أو أممية، والعديد من المواقع الإعلامية المتخصصة.. على تنظيم أمسيات واحتفالات خاصة بتوديع السنة الميلادية من خلال تكريم الشخصيات الفكرية والعلمية البارزة، كجوائز “نوبل” أو نشر صور شخصيات السنة كمجلة “التايمز”، أو نشر لوائح ترتيب أغنياء العالم كمجلة “فوربس”، ولوائح أخرى خاصة بالكتب الأكثر مبيعا، أو الأماكن الأكثر جذبا للسياح أو للاستثمار، أو أكثر الأطباق طلبا، وجائزة ” الكرة الذهبية” بالنسبة للاعبي كرة القدم من طرف مجلة “فرانس فوتبول”، وغير ذلك كثير..

كما جرت العادة على جرد حصيلة المكتسبات السياسية وعرضها كحصاد سنوي سواء داخل هذا البلد أو ذاك، لذلك يتملكنا الكثير من الفخر ونحن نحاول قراءة الحصاد المغربي لسنة 2023 وتأثير ذلك على مستوى موقعه كأحد الفاعلين في المعادلات الدولية أو على صورته في الخارج.. هذا في ظل صراعات سياسية بالخارج ومعارك إعلامية وحملات عدائية مفضوحة وكوارث طبيعية (زلزال الحوز…).

بطبيعة الحال، فقد تأثر المغرب كغيره من البلدان، بتداعيات وباء “كورونا” وبالحرب الدائرة في أوكرانيا منذ فبراير 2022، وظهر ذلك من خلال ارتفاع أسعار المواد الأساسية ومواد الطاقة والنقل والحبوب.. كما تأثر بمشكل ندرة الماء وقلة التساقطات المطرية.. وعرفت شوارع المملكة مسيرات احتجاجية قطاعية مهمة كالمحاماة والتعليم وغيرها..

تتمة المقال تحت الإعلان

بالمقابل، عرفت سنة 2023 خطوات كبيرة في معادلة الدولة الاجتماعية ودعم الفئات الهشة والأسرة والأطفال والسجل الاجتماعي الموحد، وتوسيع دائرة المستفيدين من الدعم المباشر، والتغطية الصحية، وخلق لجنة مكلفة بإعادة قراءة مدونة الأسرة، بالإضافة إلى مجهودات كبيرة من أجل توفير مناصب الشغل، كالمبادرة الملكية بضخ 50 مليار دولار على مدى 5 سنوات بين القطاعين العام والخاص، لخلق 500 ألف منصب شغل، وكذلك دور صندوق محمد السادس للاستثمار الاستراتيجي… وتنويع الاقتصاد المغربي، كصناعة السيارات، ومشروع “الهيدروجين الأخضر”، ودعم برامج السياحة، ومشاريع تحلية مياه البحر، والرقم التصاعدي لتحويلات مغاربة العالم ودورها في دعم وتعزيز الاحتياطي المغربي من العملة الصعبة..

تتمة المقال تحت الإعلان

كما لا يفوتنا – في هذه العجالة – التذكير بتداعيات الإنجاز الرياضي المغربي في مونديال قطر في نهاية سنة 2022 على مستوى الرفع من درجة الانتماء للوطن والاستقبال الشعبي والملكي الكبير لكل مكونات المنتخب المغربي بالقصر الملكي من جهة، ومن جهة ثانية، على مستوى الإشعاع الرياضي المغربي بالخارج واستحقاقه تنظيم ملتقيات رياضية إقليمية، كتظاهرة كأس إفريقيا للأمم 2025، وعالمية كتنظيم كأس العالم لسنة 2030 مشاركة مع إسبانيا والبرتغال.. في إنجاز رياضي غير مسبوق شكل حلم المغاربة منذ زمن بعيد…

هذا دون أن ننسى الدرس المغربي الكبير في مجال التضامن الاجتماعي والتماسك الأسري، وصور قوافل المساعدات من كل المناطق المغربية تضامنا مع ضحايا زلزال الحوز، وتبرع الملك محمد السادس بالدم والمال وزيارة المصابين بمستشفى مراكش أثناء الزلزال المدمر في شهر شتنبر 2023.. كل هذا وذاك عنوان كبير لانتصار “تمغربيت”، سواء في زمن “كورونا” أو زمن مونديال قطر، وفصل جديد من ملاحم العرش والشعب ينضاف إلى أخرى في سياقات زمن المقاومة والاستقلال، أو مرحلة استكمال الوحدة الترابية للمملكة، والمسيرة الخضراء… وتأكيد بأن التضامن المغربي هو جزء من البصمة الوراثية للأمة المغربية.

إن الإشعاع المغربي في الخارج لم يتأثر بالحملات الإعلامية المشبوهة، أو بالأخبار الزائفة، أو حتى بمحاولات شيطنة المغرب، سواء في البرلمان الأوروبي، أو في مجلس الأمن الدولي ومجالس حقوق الإنسان، بدليل ارتفاع الدعم الدولي لقضية الصحراء المغربية وتوصيف مبادرة الحكم الذاتي بالقوية والعادلة والفعالة.. وفتح المزيد من القنصليات بمدن الصحراء المغربية، بالإضافة إلى تقوية برامج التنمية للنهوض بالمناطق الصحراوية تمهيدا لتأهيلها وترسيخها كبوابة المغرب نحو العمق الإفريقي..

وهنا لا يمكن لكل قارئ نزيه القفز على حدثين بارزين في مجال العلاقات الدولية وحمولتهما الاستراتيجية: فأولهما كان خطاب ذكرى المسيرة الخضراء في نونبر 2023، والمتضمن أولا لمبادرة إحداث إطار مؤسسي يجمع 23 دولة إفريقية أطلسية بهدف تحقيق التكامل الاقتصادي وشروط الاستقرار السياسي.. وثانيا، لطرح مبادرة دولية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي بعد فشل المقاربات الأمنية والعسكرية وتعدد الانقلابات بالمنطقة…

وثانيهما، زيارة الأخوة والصداقة التي قام بها الملك محمد السادس إلى أخيه رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، الشيخ محمد بن زايد، في 5 دجنبر 2023، وما رافق ذلك من توقيع مذكرات تفاهم حول ملفات استراتيجية مهمة تتعلق بمجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي والبنية التحتية، وأهمها أنبوب الغاز الطبيعي الرابط بين نيجيريا والمغرب عبر دول الواجهة الأطلسية الإفريقية.. وكلها تعكس عمق العلاقات المغربية الإماراتية.

وليس هذا فحسب، فقد عرفت الأجندة الملكية لسنة 2023، جولة جديدة إلى إفريقيا، انطلاقا من محطة دولة الغابون وتقديم مساعدات تساهم في تأمين الأمن الغذائي لذات الدولة الإفريقية، في حين تأجلت محطة السنغال لظروف صحية للملك محمد السادس، كما تميزت برسائل ملكية قوية للمشاركين في الدورة الرابعة لـ”منتدى الاستثمار الإفريقي” بمراكش في شهر نونبر 2023.. وللمشاركين في “المؤتمر البرلماني الدولي حول حوار الأديان” بمراكش أيضا في شهر يونيو 2023، والمشاركين في “المنتدى العالمي لتحالف الحضارات” بمدينة فاس في شهر نونبر 2023.

وقد بصم المغرب كفاعل دولي في العلاقات الدولية، على حضور قوي خلال القمة العربية بمدينة جدة بالسعودية في ماي 2023، وفي القمة الروسية الإفريقية بمدينة سانت بطرسبورغ في شهر أكتوبر 2023، والقمة العربية الإسلامية الغير العادية بشأن غزة بمدينة الرياض في نونبر 2023، وكان المغرب قد دعا إلى عقد اجتماع طارئ للجامعة العربية بمدينة القاهرة في أكتوبر 2023، للتشاور بشأن تدهور الأوضاع في قطاع غزة واستهداف المدنيين..

كما احتضنت مدينة مراكش خلال هذا العام أيضا، الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين بمراكش في شهر أكتوبر 2023، وأشغال “المنتدى العربي الروسي” في 20 من شهر دجنبر 2023.

فيما سينطلق المشروع الملكي بخصوص دول الساحل والمنفذ الاطلسي باجتماع تنسيقي لوزراء مالي و تشاد و بوركينافاسو و النيجر بمدينة مراكش يوم 23 دجنبر…

كل هذا يجعل من الحصاد السياسي والدبلوماسي والاقتصادي والاجتماعي المغربي لسنة 2023، تراكما إيجابيا مهما، وامتحانا للشخصية المغربية في زمن التحديات يمهد لبدايات جديدة، ولصفحات مشرقة جديدة في مجال التنمية المستدامة والدولة الاجتماعية والمشروع الملكي بخصوص الواجهة الأطلسية والمتوسطية، وأنبوب الغاز المغربي النيجيري.. خدمة للمصالح المشتركة الإفريقية، ودعم شروط التنمية والاستقرار بإفريقيا، ومن أجل إفريقيا مزدهرة.. نستقبل سنة 2024 بجرعة أمل كبيرة وبطعم القادم أفضل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى