الرأي | السياسة المائية بالمغرب وتأثيرها على الأمن المائي..


حملت خرجة وزير الماء نزار البركة، بعد المجلس الحكومي الأسبوع المنصرم، بأن نسبة التساقطات هذه السنة تقل بنسبة 67 في المائة مقارنة مع سنة عادية، وأن الجفاف مس ولأول مرة أكبر خزان مائي (حوض اللوكوس)، حملت من التشاؤم ما يكفي لدق ناقوس الخطر بخصوص أزمة الماء في ظل توالي سنوات الجفاف رغم السياسات المتبعة للحد من خطر تقلص الموارد المائية، حيث قال البركة: “لقد دخلنا مرحلة حرجة بعد فترة استمرت خمس سنوات من الجفاف المتواصل، وقد أظهرت الأشهر الثلاثة الأولى أننا نتجه نحو موسم جاف جديد، ووصلنا إلى وضعية خطيرة للغاية فيما يتعلق بمخزون السدود من الماء، وهذه وضعية لم نشهدها من قبل”..
إن تصريحا كهذا ليس من شأنه إلا أن يبعث على التخوف من القادم إن استمر الحال على ما هو عليه، وهو ما أكده رئيس الحكومة عزيز أخنوش، بأن “أياما صعبة تنتظرنا”.. وإذا ما علمنا أن الأزمة المائية تتداخل فيها عوامل طبيعية وعوامل بشرية، فهذه الأخيرة تأثيرها أخطر على بنك المياه، ذلك أن سوء تدبير الموارد المائية يساهم بشكل كبير في تفاقم الأزمة، ومن ذلك عدم توزيعها بشكل يراعي المناطق الأكثر احتياجا للماء والمناطق الجافة التي تعرف تساقطات مطرية أقل، ومن جانب آخر، الأخذ بعين الاعتبار الزراعات التي تستلزم نسبة أقل من المياه وجعلها أساسية، ويرى خبراء في المجال أن بعض الزراعات تستنزف 87 في المائة من الفرشة المائية، وهذا الموضوع يسائل بشكل مباشر “المخطط الأخضر”، الذي تبنى الزراعات التصديرية وأهمل الفلاحة التي تعتبر مورد عيش ورزق الملايين من المغاربة، كما يدخل في سوء تدبير دورة المياه، عدم الوقوف على البنى التحتية المائية بشكل يضمن عدم إهدار المياه، رغم أن الملك محمد السادس سبق أن أعطى تعليماته – غير ما مرة – من أجل تنزيل البرنامج الوطني للتزويد بالماء الصالح للشرب ومياه السقي 2020-2027، وللإشارة، فإن هذا البرنامج يرتكز على خمسة محاور هي: تطوير العرض المائي، وتدبير الطلب واقتصاد وتثمين الماء، وتعزيز التزويد بمياه الشرب في المجال القروي، وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة، والتواصل والتحسيس، ويدخل ضمن هذا المشروع بناء مجموعة من السدود لضمان مخزون يفي بالغرض علما أن نسبة ماء السدود تنخفض بفعل ارتفاع درجات الحرارة وبالأخص الاستعمالات المفرطة للماء.
ترى ما الذي جعل بلدا فلاحيا كالمغرب سياسته المائية تعيش الإفلاس؟
الجواب تحمله ثنايا السياسة التي تبنت مخطط “المغرب الأخضر”، الذي يعني من بين ما يعنيه، العمل على تطوير الاقتصاد انطلاقا من القطاع الفلاحي، وهذا المخطط رفع – وما زال – من وتيرة استهلاك المياه على الزراعات الموجهة بالأساس للتصدير، وبالتالي تشجيع كبار الفلاحين على حساب الفلاحين الصغار، ومن تم الحكم على عدد من الفلاحين الصغار بالإفلاس رغم تعالي صيحاتهم من أجل إنقاذهم.
وفيما يشبه سياسة تفقير الفقير وإغناء الغني.. ورغم تحذير تقارير وطنية ودولية من خطورة السياسة المائية بالمغرب من خلال “المخطط الأخضر”، إلا أن هذا المشروع لا زال سائرا قدما في استنزاف الثروة المائية الوطنية، بعد اعتماد زراعات في مناطق كانت معروفة بالتوازن البيئي وبمنتوجاتها المحلية المتأقلمة مع طبيعة وجو المنطقة، وبعدما تبين بالواضح فشل هذا المخطط في الحفاظ على القدرة الشرائية للمواطنين، يتم البحث عن حلول لتعويض الخسارات المائية، بالاعتماد على محطات تحلية مياه البحر، وإعادة تدوير المياه العادمة لاستعمالها في السقي.
ومن جانب آخر، بدأت تلوح في الأفق أزمة عطش وسيستفحل الأمر إن استمر الجفاف، لكن أين هو التدبير السليم للماء في بلد معروف بالسدود؟ أين ترشيد استعمال المياه العذبة، علما أن إحدى الدراسات خلصت إلى ضرورة تقليل إنتاج المياه المعبأة، كحل من حلول ندرة الماء، حيث تستهلك صناعات المياه حوالي 22 % من الاستهلاك العالمي للمياه؟
خلاصة القول: إن حالة الإفلاس المائي التي يعيشها المغرب، لا يمكن ربطها فقط بالتغيرات المناخية، بل إنها تعكس سياسة أبانت عن فشلها في تدبير قطاع الماء وتدبير القطاع الفلاحي، وللخروج من الأزمة ولو بشكل نسبي، لكي لا يتفاقم الوضع، يستوجب إعادة النظر في السياسات العمومية المتبعة، وضرورة تغيير استراتيجية القطاعات المعنية بالخصوص، ومن تم تغيير السياسة الفلاحية كي تتلاءم مع الطبيعة الجغرافية للبلاد، وهذا بالطبع يتطلب إرادة سياسية قوية وتظافر الجهود، كل من موقعه، وبشكل حازم، أولا من خلال الاعتراف بفشل السياسة الفلاحية والمائية المتبعة منذ عقود، وثانيا إيلاء أهمية لصغار ومتوسطي الفلاحين، ومن تم توجيه بوصلة الفلاحة نحو الاستهلاك المحلي.



