رأي | توغل المصطلحات العربية في أوروبا

عادة ما توصف اللغة العربية بأنها ليست لغة البحث العلمي وإنتاج المعرفة، وبأنها لغة عاجزة عن مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية، وبأنها لغة ماضوية أقرب إلى التراث منه إلى الحداثة، بل إن الأمر يزداد استشكالا عندما يفضل أهلها الحديث والتواصل بلغات أخرى بدعوى “الرقي والتحضر”، بدل العربية وكأن التحدث بها “سبة” و”منقصة”، وقد تطور هذا الموقف إلى تفجير صراع إيديولوجي وسياسي بين المحافظين المنافحين عن قوة اللغة العربية كرمز للهوية، وبين الليبراليين المناوئين.

أستاذ باحث في التاريخ والفكر
كان قطاع التعليم المسرح الأبرز لتجسيد الصراع القائم بين المؤيدين والمدافعين عن اللغة العربية وبين المناوئين لها، بيد أنه يمكن القول أن الإشكالية ليست في اللغة العربية في حد ذاتها كلغة، وإنما الأزمة هي أزمة الدول العربية، التي لم تحقق نهضة حضارية تجعل من العربية لغة العلوم والمعرفة والحضارة كما توصلت إلى ذلك أوروبا، فالإنجليزية التي يقال عنها اليوم مفتاح العلوم، أو حتى الفرنسية وغيرها، لم تكن في الأصل سوى لهجات محلية متفرعة عن اللاتينية لا يتكلمها سوى عامة الناس، فيما كانت اللاتينية لغة النخبة والمعرفة في أوروبا خلال العصور الوسطى، ولكن الذي حدث، هو أن هذه اللهجات تطورت لتصبح لغات عالمية للعلم مزيحة بذلك اللاتينية إلى نفايات التاريخ، وذلك مرده إلى التطور والنهضة التي حققتها دولها على كافة الأصعدة والمجالات. لهذا، فإن الأزمة في العالم العربي، ليست أزمة لغة بقدر ما هي أزمة إنسان.
والحال أن اللغة العربية هي الوعاء الذي يختزن تراثنا ومشاعرنا من جيل إلى جيل، ولولا اللغة لما استطعنا أن ننقل علما ولا معرفة ولا حضارة ولا ثقافة إلى الأجيال اللاحقة، كما أن اللغة العربية هي السمة الأبرز للهوية العربية، والعناية بها أساس الشعور بالمواطنة بين أبناء الأمة العربية، وأساس الشخصية القومية. وما من لغة حازت ما حازته العربية من القداسة والتوقير والفرادة، وقدسيتها تكمن في منحة التشريف الإلهي، حيث اصطفاها الله تعالى لغة لكتابه القرآن الكريم، وهو ما يجعلها تنعم بصفة الخلود والاستمرارية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن اللغة العربية من اللغات السامية الأكثر انسجاما، وقد ساهم الإسلام بشكل كبير في انتشارها، فعندما تم فتح بلاد فارس، أصبحت اللغة العربية لغة الأدب والعلم والمعرفة، وأصبحت اللغة الفارسية تكتب بحروف عربية إلى يومنا هذا، وهو الحال ذاته الذي كانت عليه اللغة التركية العثمانية لعدة قرون، قبل أن يستبدلها مصطفى كمال أتاتورك بالحروف الأوروبية عام 1924م، في سياق ثورته على السلطنة العثمانية.
دور اللغة العربية في النهضة الأوروبية
أثرت اللغة العربية في اللغات الأوروبية بشكل ملحوظ، حيث نجد أن العديد من المصطلحات الأوروبية ذات أصل عربي، ومنها على سبيل المثال: Amiral – crovette – Flotte – Caravelle – Barque – Boussole…
إن تأثير العرب في الغرب كبير جدا، فعندما كانت الحضارة العربية الإسلامية ساطع نجمها خلال العصر الوسيط، كانت أوروبا ترتع في الظلمات والجهل والتخلف والهمجية، وقد تسربت العلوم العربية إلى أوروبا عبر إسبانيا (الأندلس) وصقلية وإيطاليا، فضلا عن الحروب الصليبية التي أسهمت في الاحتكاك الحضاري والثقافي بين المسلمين والمسيحيين في المشرق العربي.
لقد تأسس في مدينة طليطلة مركز للترجمة عام 1130م، لنقل أهم كتب العرب إلى اللاتينية تحت رعاية الأساقفة، وازدهرت حركة الترجمة في القرون اللاحقة، وتم نقل مؤلفات كبار العلماء المسلمين من قبيل: ابن سينا وابن رشد والرازي والزهراوي، وغيرهم.. بل إن الأوروبيين لم يتعرفوا على تراثهم اليوناني إلا من خلال اللغة العربية، إذ كان الأوربيون يحجون إلى الأندلس للدراسة والاغتراف من ينابيع المعرفة والعلم الفياض في شتى الفروع، ويتحدث المؤرخ فاليير عن ثلاث بعثات أوروبية إلى الأندلس العربية: أولها بعثة فرنسية برئاسة الأميرة إليزابيث ابنة خالة لويس 16، ملك فرنسا، والبعثة الثانية إنجليزية وعلى رأسها الأميرة دوبان، ابنة الأمير جورج، صاحب مقاطعة ويلز، وأما البعثة الثالثة، فكانت إسبانية بلغ عدد أفرادها حوالي 700 طالب وطالبة، ولاستجلاء إشعاع الحضارة العربية في أوروبا، نقف على رسالة بعثها ملك إنجلترا جورج الثاني مع بعثة طلابية من الأمراء والأعيان إلى الخليفة هشام الثالث قائلا: “من جورج الثاني ملك إنجلترا والغال والسويد والنرويج إلى الخليفة ملك المسلمين في مملكة الأندلس صاحب العظمة هشام الثالث الجليل المقام: بعد التعظيم والتوقير، فقد سمعنا عن الرقي العظيم الذي تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات في بلادكم العامرة، فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة في اقتفاء أثركم لنشر العلم في بلادنا التي يحيط بها الجهل من أركانها الأربعة”، ومن هنا يقول غوستاف لوبون، مختصرا المسألة: “على العالم أن يعترف للعرب بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة اعترافا أبديا”.. فقد ظلت المؤلفات العربية المصدر الوحيد في التدريس بالجامعات الأوروبية لستة قرون تقريبا، ومنها على وجه التحديد كتب ابن رشد وابن سينا، ويقول غوستاف لوبون في كتابه “حضارة العرب”: “كان تأثير العرب على الغرب عظيما، وإليهم يرجع الفضل في حضارة أوروبا، ولم يكن نفوذهم في الغرب أقل مما كان في الشرق”.
تأثير إسبانيا العربية في إسبانيا المسيحية
أثرت اللغة العربية بشكل كبير في اللغة الإسبانية، حيث نجد الكثير من المصطلحات الإسبانية تعود في أصلها ولحنها إلى اللغة العربية، مثلا يطلق على رئيس البلدية في إسبانياalcalde ، ويعني القاضي العربي، وكلمة الناعورة نجدها في الإسبانية وهي moria، وانتقلت كذلك من الإسبانية إلى الفرنسية، كما تسللت العربية إلى أسماء الفاكهة والزهور التي تزرع في إسبانيا مثلا: البرقوق /albaricoque ، والزعرور/ azerole، والياسمين/ jasmin، والقطن/ algodon، والزعفران/ azafran، وما يزال الزيتون يحتفظ باسمه العربي aceituna.
ومن جهة أخرى، يرى لوبون أن إسبانيا العربية تمتعت بحضارة زاهرة بفضل العرب، في الوقت الذي كانت فيه باقي أوروبا غارقة في الظلام والتخلف.
كما تدين اللغة الفرنسية للغة العربية عن طريق الوسيط الإسباني، من خلال مجموعة من المفردات العربية المتعلقة بالألوان مثل أزرق/azur، والأصهب/ alezan، والقرمزي/carmaisie، والشقائقي ecarlate، وتجدر الإشارة إلى أن اللون الشقائقي كان يعني قماشا من الحرير انتقل من العراق إلى إسبانيا خلال القرن التاسع الميلادي.
إذن، كل هذه الأدلة والإشارات التاريخية، تدل بشكل قاطع على مدى قوة واتساع الإشعاع والهيمنة الحضارية التي مارستها اللغة العربية على إسبانيا المسيحية والبلاد المجاورة لها.
الأرقام العربية في أوروبا
انتشرت الأرقام العربية في أوروبا كانتشار النار في الهشيم، وذلك لسهولتها وقدرتها على التعبير العددي بأقل عدد من الأرقام.. فقد استهوت الأرقام العربية السهلة الناس، وكتبوها على المقابر، وتسللت إلى سجلات الموظفين والتجار، فحلت محل الأرقام الرومانية الطويلة، التي كانت تشغل صفحات كثيرة.
ونظرا لصعوبة كتابة الأرقام العربية على الأوروبيين، فقد طور هؤلاء طريقة طريفة لتسهيل حفظها وكتابتها واستخدامها، حيث وضعوا لكل رقم عربي صورة مقابلة لجسم من الحياة اليومية، والنص التالي يعرض نموذجا من ذلك: “الواحد كلسان الميزان، والاثنان تشبه العكاز، والثلاثة كذيل الخنزير، والأربعة تشبه السجق، أما الخمسة فتشبه الموج، والستة كالنفير، والسبعة تشبه الحربة، والثمانية كالسلسلة، والتسعة كالصولجان، والصفر يشبه الخاتم، والخاتم إلى جوار لسان الميزان يكون العشرة، والخاتم بمفرده لا قيمة له”، وتجدر الإشارة إلى أن الأرقام العربية تدور أساسا على اكتشاف “الصفر”، الذي به تقدمت الرياضيات، وأهمية هذا الاكتشاف تتجلى في أن الأوروبيين أطلقوا لفظ Chiffre المشتق من “صفر” على جميع الأرقام.



