انتفضت دول العالم ضد الإرهاب الذي أطل بوجهه القبيح على كثير من البلدان، فقتل آلاف الأبرياء، وروع ملايين الآمنين، وانتهك الحرمات والمقدسات الدينية، واستهدف تخريب الأوطان وزعزعة استقرارها من دون وازع ديني أو أخلاقي.
أدرك المختصون في العالم، أن الإرهاب لا دين له ولا وطن، ولا تقف مخاطره عند مكان معين أو زمان محدد، وإنما تمتد لتهدد الجميع في كل وقت وحين.
لذلك ينادي الكثيرون بالوقوف صفا واحدا في مواجهة العنف والإرهاب، باعتبارهما أخطر “ظاهرة اجتماعية” في حياة المجتمعات الإنسانية، والإرهاب هو العدوان الذي يمارسه أفراد أو جماعات بغيا على الإنسان في دينه ودمه وعقله وماله وعرضه، ويشمل شتى صنوف التخويف والأذى والتهديد والقتل بغير حق، وكل فعل من أفعال العنف والتهديد يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس، وترويعهم، بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حريتهم أو أمنهم أو أحوالهم للخطر.
والدين الإسلامي يحرم جميع أعمال الإرهاب وأشكاله وممارساته، باعتبارها أعمالا إجرامية تدخل ضمن جريمة الحرابة أينما وقعت وأيا كان مرتكبها. وبما أن الإرهاب هو ترويع الآمنين، وتدمير مصالحهم وحياتهم والاعتداء على أموالهم وأعراضهم وكرامتهم، فإن من حق الدولة التي يقع على أرضها هذا الإرهاب الآثم، أن تبحث عن المجرمين الذين ارتكبوه، وأن تقدمهم للعدالة لكي تقول كلمتها فيهم.
وقد عرفت الاتفاقية العربية لمكافحة الإرهاب في مادتها الأولى الإرهاب بأنه ((كل فعل من أفعال العنف أو التهديد به، أيا كانت دوافعه أو أغراضه، يقع تنفيذه لمشروع إجرامي فردي أو جماعي يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم، أو تعريض حياتهم أو حرياتهم وأمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك (العامة والخاصة) واحتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر)).
والإرهاب من أخطر الظواهر التي تهدد أمن المجتمعات واستقرارها، لذلك، هناك إجماع على أنه ظاهرة لا يمكن أن تبررها أي اعتبارات سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو دينية أو غيرها.
وظاهرة الإرهاب لم تعد تقتصر على ارتفاع عدد العمليات الإرهابية، أو تصاعد قوتها التدميرية، ولكنها تتمثل أيضا في انتشارها جغرافيا أو توسعها بشريا، فقد امتدت هذه الظاهرة إلى كل قارات العالم ومعظم دوله، وانخرط فيها إرهابيون ينتمون إلى مختلف الدول، فمصطلح “الإرهاب” يراد به الممارسات الخاطئة التي تستخدم في تقتيل الناس وترويع الآمنين والاعتداء على الأبرياء وهدم العمران وتخريب المجتمعات وخطف الطائرات وأخذ الرهائن والاغتيالات والتفجيرات وغيرها من الأفعال العدوانية.
فمع الإرهاب يواجه العالم اليوم مخاطر التطرف والتسلط أو الغلو، مما يجب على جماهير الأمة الإسلامية وعلمائها ومفكريها، وعلى الإنسانية جمعاء، مواجهة المخاطر الإرهابية بما يناسبها من الفكر الناصح الواعي.
إن تنظيمات “داعش” روعت العالم بحروبها الإرهابية المدمرة، وقد خربت الأوطان هنا وهناك مستخدمة الدين ليس للدعوة الإسلامية كما تزعم، وإنما للوصول إلى السلطة وتحقيق منافع وأهداف سلطوية، الأمر الذي يشكل جريمة في حق الدين وفي حق البشرية جمعاء.
إن “داعش” أو يسمى بـ”الدولة الإسلامية”، هو جماعات إرهابية خطيرة روعت وطردت الناس من أوطانهم وهدمت عمرانهم وعباداتهم وسبت نسائهم واستباحت أموالهم، وهي أفعال إجرامية تشوه الصورة الذهنية لدى المجتمعات الغربية عن الإسلام والمسلمين.
والحمد لله أن تنظيم “داعش” أخذ يختفي مع مرور الوقت من الأماكن الكثيرة التي كان يمارس فيها مختلف أنواع الإرهاب والدمار، فبقيت له خلايا وجيوب في أماكن مختلفة من العالم تتصدى لها القوات الأمنية المختصة في محاربة الإرهاب للقضاء عليها، والمغرب في طليعة الدول التي يقوم أمنها الكفء بتفكيك الخلايا الإرهابية في جميع المدن والمناطق، وذلك بفضل المعلومات الدقيقة التي توفرها عناصر مراقبة التراب الوطني “الديستي” والتدخلات الاستباقية للقوات الأمينة، على اعتبار أن بلادنا ليست في منأى عن شبح الإرهاب الذي يسعى لزعزعة استقرار أمن المواطنين والمواطنات، من أجل ذلك تقوم القوات الأمنية الوطنية بمجهودات جبارة لمحاربة الإرهاب وكافة أشكال التطرف الديني بفضل الجهود التي يبذلها عناصر المكتب الوطني للأبحاث القضائية التابع للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، والذين يخوضون معركة مستمرة وشاقة من أجل القضاء على الخلايا الإرهابية كيفما كان نوعها وحجمها، للحيلولة دون تكرار الأعمال الإرهابية ببلادنا، ولا سيما الأحداث الإرهابية الأليمة التي هزت مدينة الدار البيضاء خلال شهر ماي 2003، والتي راح ضحيتها العديد من القتلى والجرحى والمعطوبين الذين مازالوا يعانون من خطورة الأفعال الإجرامية التي قام بها هؤلاء الإرهابيين.
إن جهود وكفاءة رجال أمننا مستمرة على الدوام بمجموعة من مدن المغرب ومناطقه المختلفة، لمحاربة الإرهاب والتطرف الديني إلى درجة أن المغرب أصبح معادلة دولية مهمة في مجال الجهود الرامية إلى محاربة الإرهاب بمختلف أشكاله وأنواعه على الصعيد الوطني والعالمي، على اعتبار أن هذه المعادلة لم تأت عن طريق الصدفة، بل إنها نتيجة للطريقة التي استطاع بها الأمن المغربي تدبير العديد من الملفات المتعلقة بقضايا الإرهاب وطنيا أو دوليا، ذلك أن بلادنا لم تتوان في الكثير من المناسبات عن تقديم معلومات في غاية الدقة لكثير من الدول حول أشخاص كانوا بصدد تنفيذ عمليات إرهابية في تراب دول أوروبية وأمريكا، مكنت من تجنيب تلك الدول الوقوع في حمام دم وسقوط العديد من الأبرياء ضحايا عمليات إرهابية.