يعتبر المسجد مرفقا أساسيا في المدينة الإسلامية منذ كانت وإلى اليوم، ومعلما حضاريا وثقافيا، اجتهد الزعماء والشعوب في إقامته، والإبداع في هندسته وزخرفته، باعتباره قناة وجهازا من “أجهزة الدولة الإيديولوجية” (بورديو)، فهو والمدرسة والأسرة و… مؤسسات تربية وتهذيب للمواطنين، والإدماج الطوعي في المنظومة الاجتماعية والثقافية.
لهذه الأهمية الحيوية والوجودية، يتم الحرص على جعله ضمن البنيات الأساسية للتجمعات السكنية في القرى والمدن، تهرع الجماعة إلى تشييده وتجهيزه والإنفاق عليه، حيث يبادر الأفراد إلى إخراجه للوجود، وكذا ضمان استمراريته، إيمانا بقدسية الفعل، ونبل المهمة، وطمعا في الجزاء الأخروي المتمثل في “بيت في الجنة”.. لهذا يختارون له أحسن البقاع وأظهرها لعابري السبيل.
كما يتطاول ويتنافس الوجهاء والأعيان – ولكل امرئ ما نوى – في إظهار السبق في العناية بالمسجد، كما يظهر أهل الورع والصلاح السبق في إعماره، وبهما معا يتحقق العمران المادي والمعنوي للمسجد، وبسبب هذا الإشراف الشعبي عليه، كان ساحة وميدانا لممارسة السلطة لفاقديها في مجالها، وإبراز الزعامة والقيادة في تقرير ما يجب وما يخب، وقد تصل أحيانا إلى امتلاك ناصية الإمام في إقامة الصلاة أو تأخيرها، وهو ما جعل منه في فترة زمنية، مطية وجسرا للحشد الجماهيري، والكسب الانتخابي.
بحصول المغرب على الاستقلال، سيتم إخضاع المسجد للتدبير الحكومي على غرار باقي المرافق العامة، مع ترك هامش للمحسنين في سد ما لم تسده الحكومة في هذا الشأن، وتحمل عبء ومصاريف تشييده، تجلى ذلك بشكل بارز في المخطط الرباعي 1981-1985، حيث سـ”يشغل المسجد أهمية كبرى في المخططات الحكومية، تكون على الأقل مماثلة لتلك المخصصة للمدرسة أو المستشفى أو دار الشباب” (سليم احميمنات)، فكل هذه المؤسسات تتقاسم عبء العناية التربوية: نفسيا وصحيا واجتماعيا للمواطن، وهي المهمة التي أوكلت لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الذي حدد ظهير 12 أبريل 1976، اختصاصاتها، والمتمثلة أساسا في “العمل على رفع مستوى رعايانا المسلمين والنهوض بهم للقيام بتبعات هذا العصر، وتحصينهم وحمايتهم من المعتقدات المخالفة لمبادئ الدين الحنيف”، وهي المهمة التي ستضطلع بها الوزارة عبر قناة المسجد أولا، ثم المؤسسات التعليمية ثانيا، عندما أسند لوزارة الأوقاف تدبير الشأن التعليمي حينا من الزمن، وأيضا من خلال حضورها القوي في مؤسسات ثقافية وازنة، كالمركز الوطني السينمائي، المجلس الأعلى للثقافة والمجالس الجهوية للثقافة، واللجنة الاستشارية لدى المركز الوطني للتراث المخطوط.
والمهمة التعليمية والثقافية ليست بجديدة على المسجد، فمنذ العهد النبوي والمسجد منارة تعليمية كما هو قبلة تعبدية، فحلقات العلم التي كان يشهدها لا تقل عددا عن حلقات العلم، ورفعا من شأن الأخيرة، اختار الرسول (ص) الجلوس فيها، دون أن ينقص ذلك من شأن الأخرى شيئا، فمن خلاله تعمل وزارة الأوقاف بالاضطلاع بمهمة “الحفاظ على القيم الإسلامية وسلامة العقيدة، والحفاظ على وحدة المذهب المالكي، وضمان إقامة الشعائر الدينية في جميع أنحاء المملكة… إضافة إلى التكوين والتأطير والدراسات في المجال الديني” (ظهير نونبر 1993)، وهي كما نلاحظ، مهام تعليمية مدرسية.
إن التاريخ العلمي للمساجد، قد يغطي في أحيان كثيرة تاريخه التعبدي، فجامع القرويين والزيتونة والأزهر، لا تكاد تذكر إلا ويتبادر إلى الذهن إشعاعها العلمي قبل أي شيء آخر، وهو ما جعل المستشرق دولفان، يعتبر “القرويين أول مدرسة في الدنيا”.. فكل من استهواه طلب العلم، واستولى على لبه إكسير المعرفة، إلا وشد الرحال إليها، في زمن لم يكن يعلا على كعبها أي من الجامعات المعروفة اليوم، وسيرا على الدرب نفسه، جعلت الحركة الوطنية المغربية من المساجد معاهد للتعليم المعرفي والتكوين السياسي، في ما كان يسمى بالتعليم الحر، وقد أدى المغاربة مقابله تضحيات جسام، للحفاظ على الهوية الثقافية المغربية، والوقاية من الانحرافات الفكرية والعقدية، التي كانت تزرعها المدارس الرسمية، الفرنسية والإسبانية، كما كانت المساجد الحاضن الذي يربي على الوحدة وعدم التفرقة بين المسلمين، وهذا ما أينع ثمار “قراءة اللطيف” جماعيا، أمازيغ وعرب، لمواجهة الظهير البربري العنصري.